العيون الآن.
حمزة وتاسو / العيون.
في تطور دبلوماسي لافت يعكس تحولا في مقاربة الولايات المتحدة الأمريكية لملف الصحراء، كشفت معطيات متطابقة عن ممارسة ضغوط مباشرة على الجزائر، خلال لقاء رسمي احتضنته مدينة أنطاليا، جمع بين المستشار الخاص للرئيس دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس، ووزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، اللقاء الذي جاء على هامش اجتماعات دولية، حمل رسائل حازمة بشأن ضرورة إنهاء الوضع القائم في مخيمات تندوف، والدفع نحو تسوية سياسية واقعية للنزاع، في سياق إقليمي ودولي يتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية.
بحسب المصادر ذاتها، وضعت واشنطن ملف مخيمات تندوف في صدارة أولوياتها، معتبرة استمرارها بصيغتها الحالية “وضعا استثنائيا” لم يعد قابلا للاستمرار، وتنظر إلى هذه المخيمات، وفق المقاربة الأمريكية، باعتبارها نقطة توتر مزمنة تغذي النزاع وتعقد فرص الحل السياسي.
هذا الطرح يعكس توجها أمريكيا متجددا يقوم على تقليص بؤر الجمود في النزاعات الإقليمية، خصوصا تلك التي ترتبط بأبعاد إنسانية وأمنية، في ظل تزايد المخاوف من تحول بعض الفضاءات غير المستقرة إلى بيئات خصبة للأنشطة غير النظامية.
في السياق ذاته جددت واشنطن تأكيدها على أن أي تسوية محتملة لا يمكن أن تخرج عن إطار مقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب، باعتباره وفق التوصيف الأمريكي مقاربة “واقعية وذات مصداقية”.
ويأتي هذا الموقف امتدادا لسياسة أمريكية سابقة تدعم الحلول العملية القائمة على التوافق، بدل الطروحات التي لم تفض على مدى عقود، إلى نتائج ملموسة على الأرض كما يعكس رغبة في تسريع وتيرة المسار السياسي الأممي، الذي ظل رهينا بحالة من الجمود المزمن.
الرسائل الأمريكية لم تقتصر على الجانب السياسي، بل شملت دعوة صريحة للجزائر لتحمل مسؤولياتها في هذا الملف، خصوصا فيما يتعلق بإعادة تنظيم أوضاع ساكنة المخيمات، وتمكين من يثبت ارتباطه بالأقاليم الجنوبية من العودة، في إطار حل نهائي يضع حدا لحالة اللجوء الممتدة.
ويفهم من هذا التوجه أن واشنطن تسعى إلى إعادة تعريف أدوار الفاعلين في النزاع، عبر تحميل كل طرف مسؤوليته المباشرة، بدل الإبقاء على الوضع القائم الذي يسمح باستمرار حالة “اللا حل”.
في موازاة ذلك وسعت الإدارة الأمريكية دائرة مطالبها لتشمل ملفات إقليمية أخرى، أبرزها الوضع في مالي حيث شددت على ضرورة امتناع الجزائر عن أي تدخل في الشأن الداخلي المالي، في ظل إعادة تشكل التوازنات الأمنية في منطقة الساحل.
كما عبرت واشنطن عن تحفظها إزاء بطء الإصلاحات السياسية والاقتصادية داخل الجزائر، داعية إلى تسريع وتيرتها بما ينسجم مع التحولات الدولية، ويعزز قدرة البلاد على التفاعل مع الضغوط المتزايدة داخليا وخارجيا.
تأتي هذه التطورات في سياق التحضير لجلسة مرتقبة داخل مجلس الأمن الدولي لتجديد ولاية بعثة MINURSO، وسط توجه أمريكي لإعادة النظر في مهامها وربط استمرارها بمدى التقدم في العملية السياسية.
هذا المعطى يضفي طابعا عمليا على الضغوط، حيث لم تعد مقتصرة على التصريحات السياسية، بل تتجه نحو إدخال تعديلات مؤسساتية قد تعيد صياغة دور البعثة الأممية، بما يخدم تسريع الحل.
ختاما تعكس هذه التطورات تضييق هامش المناورة أمام الجزائر، في ظل إصرار قوى دولية وازنة على الدفع نحو تسوية نهائية للنزاع، قائمة على منطق الواقعية السياسية، كما توحي بإمكانية دخول الملف مرحلة جديدة، تتسم بارتفاع منسوب الضغط الدولي وتراجع قابلية استمرار الوضع القائم.
وبين اعتبارات الجغرافيا السياسية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي، يبدو أن مسار النزاع يتجه نحو إعادة تشكيل عميقة، قد تفضي إلى تغيير ملموس في قواعد الاشتباك الدبلوماسي التي حكمته لعقود.











