من وسيط المملكة إلى الأمانة العامة للحكومة.. حسن طارق أمام اختبار تحويل التوصيات إلى إصلاحات

محرر مقالات18 أكتوبر 2026

العيون الآن

 

يوسف بوصولة – العيون

يفتح تعيين حسن طارق أميناً عاما للحكومة ضمن التشكيلة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، نقاشا حول مستقبل التوصيات التي أصدرتها مؤسسة وسيط المملكة لمعالجة اختلالات الإدارة، خصوصا أن المسؤول الحكومي الجديد ينتقل من موقع رصد تظلمات المواطنين واقتراح الحلول إلى مؤسسة تضطلع بدور محوري في إعداد النصوص القانونية والتنظيمية للحكومة.

يطرح هذا الانتقال الذي جاء عقب التعيين الملكي لأعضاء الحكومة يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، تساؤلات بشأن إمكانية الاستفادة من تجربة طارق في الوساطة المؤسساتية لتسريع معالجة اختلالات قانونية وإدارية سبق أن أثارتها المؤسسة، خاصة في ملفات التغطية الصحية والدعم الاجتماعي المباشر وتمويل المشاريع.

تمنح الاختصاصات القانونية للأمانة العامة للحكومة وفق المرسوم الصادر في 2 أكتوبر 2024،دورا أساسيا في تنسيق العمل التشريعي والتنظيمي، ودراسة مشاريع القوانين والمراسيم المحالة من القطاعات الحكومية، والسهر على تناسق المنظومة القانونية وتقديم الاستشارات للحكومة والمؤسسات العمومية.

تتيح هذه الصلاحيات لحسن طارق المساهمة في معالجة بعض العوائق القانونية والتنظيمية التي تحول دون استفادة المواطنين من الخدمات العمومية، وإن كانت قرارات التمويل والتنفيذ والتدبير المباشر تبقى ضمن مسؤوليات الحكومة والقطاعات المعنية.

وتبرز أهمية هذا الانتقال بالنظر إلى ثلاثة تقارير خاصة رفعتها مؤسسة وسيط المملكة إلى رئيس الحكومة خلال سنة 2024، تناولت التغطية الصحية للمتقاعدين ذوي المعاشات الضعيفة، وصعوبات التسجيل في الدعم الاجتماعي المباشر والإكراهات المرتبطة بتنفيذ برنامج «فرصة».

كانت هذه التقارير قد أُعدت قبل تولي حسن طارق مسؤولية وسيط المملكة في مارس 2025، غير أن خلاصاتها وردت ضمن التقرير السنوي الذي قدمته المؤسسة خلال فترة ولايته.

ففي ملف المتقاعدين دعت المؤسسة إلى مراجعة المقتضيات التي تحول دون استفادة أصحاب المعاشات المحدودة من التأمين الإجباري عن المرض، واقترحت إدماج الفئات المعنية ضمن نظام التغطية الصحية الخاص بالأشخاص غير القادرين على تحمل الاشتراكات.

وسجل التقرير آنذاك غياب تفاعل حكومي مع هذا المقترح، دون أن يعني ذلك بالضرورة استمرار الوضع نفسه إلى اليوم في غياب معطيات محينة بشأن مآله.

أما بخصوص الدعم الاجتماعي المباشر فقد أوصت المؤسسة بتوفير بدائل حضورية للتسجيل والاستفادة، خصوصا لفائدة الأشخاص الذين لا يتوفرون على الوسائل الرقمية أو يواجهون صعوبات في استعمال المنصات الإلكترونية. كما نبهت إلى ضرورة تبسيط المساطر وتوحيد المعلومات المقدمة للمواطنين، تفاديا لتعدد المتدخلين وتضارب التوجيهات.

تكتسي هذه التوصيات أهمية خاصة بالنسبة إلى الأمانة العامة للحكومة، بالنظر إلى أن جزءا من الإشكالات المطروحة يرتبط بتداخل النصوص وتعدد الشروط والإجراءات، وهي عناصر يمكن معالجتها عبر مراجعة الإطار التنظيمي وتوضيح المسؤوليات بين الإدارات المعنية.

وفي ما يتعلق ببرنامج “فرصة” رصدت المؤسسة صعوبات واجهها عدد من حاملي المشاريع، من بينها تعقيدات مرتبطة بالولوج إلى التمويل، وتأخر معالجة الملفات، وعدم وضوح بعض مراحل المواكبة فضلا عن تفاوت شروط الاستفادة بين الجهات والقطاعات.

غير أن معالجة هذه الإشكالات لا تتوقف على تعديل النصوص القانونية وحده، إذ تتطلب أيضا تحسين آليات الحكامة والتتبع وتحديد آجال واضحة للرد على الطلبات، وضمان التنسيق بين المؤسسات المكلفة بالتمويل والمواكبة والتنفيذ.

ومن شأن وجود مسؤول سبق له الاطلاع على هذه الملفات من موقع الوساطة أن يساعد على نقل خلاصاتها إلى دائرة القرار الحكومي، خصوصا أن مؤسسة وسيط المملكة لا تكتفي بتلقي الشكايات، بل تقدم مقترحات ذات صلة بتحسين أداء الإدارة وتفادي تكرار الاختلالات.

ويتمثل التحدي الأساسي أمام حسن طارق في ضمان استمرارية التوصيات التي أصدرتها مؤسسة وسيط المملكة، وعدم بقائها في حدود التقارير والمراسلات. فانتقاله إلى الأمانة العامة للحكومة يضعه أمام مسؤولية مختلفة، تتعلق بترجمة المقترحات إلى مشاريع نصوص أو تعديلات تنظيمية قابلة للتنفيذ، مع مراعاة التوازن بين متطلبات الإصلاح والإكراهات المالية والإدارية.

كما أن نجاح هذا المسار يظل رهينا بتعاون القطاعات الحكومية المعنية، وبقدرتها على تقديم معطيات دقيقة حول مآل التوصيات، وتحديد ما تم تنفيذه وما لا يزال عالقا وأسباب ذلك. فالأمانة العامة للحكومة تستطيع تنسيق العمل القانوني، لكنها لا تحل محل الإدارات المكلفة بالتنفيذ ولا تملك وحدها قرار تخصيص الموارد أو تغيير طرق التدبير.

يطرح هذا الوضع الحاجة إلى إرساء آلية مؤسساتية لتتبع توصيات مؤسسة وسيط المملكة تتضمن آجالا محددة للرد، ومؤشرات لقياس التنفيذ، ونشرا دوريا للنتائج. ومن شأن مثل هذه الآلية أن تعزز الثقة في الوساطة المؤسساتية، وأن تحول التوصيات من وثائق مرجعية إلى أدوات عملية لتحسين الإدارة.

ولا يرتبط نجاح حسن طارق في مهمته الجديدة بقدرته الفردية على استحضار الملفات التي عالجتها مؤسسة الوسيط فحسب، بل بمدى قدرة الحكومة على تحويل هذه الملفات إلى ورش إصلاح جماعي. فاختلالات التغطية الصحية والدعم الاجتماعي وتمويل المشاريع تعكس في جانب منها صعوبات أوسع تتعلق بتعقيد المساطر، وضعف التنسيق، وتفاوت جودة الخدمات بين الإدارات والمجالات الترابية.

ومن ثم فإن الرهان لا يقتصر على معالجة حالات فردية أو الاستجابة لشكايات محددة، بل يتطلب مراجعة القواعد التي تنتج هذه الشكايات، وتبسيط الإجراءات، وتحسين قابلية النصوص للتطبيق وضمان انسجامها مع أهداف السياسات العمومية.

وبينما تمثل تجربة حسن طارق في مؤسسة وسيط المملكة رصيدا مهما لفهم مكامن الخلل، فإن وجوده على رأس الأمانة العامة للحكومة سيضعه أمام اختبار تحويل هذا الفهم إلى إصلاحات ملموسة. وسيكون معيار النجاح هو مدى انتقال التوصيات من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التنفيذ، ومن معالجة الحالات المعزولة إلى بناء إدارة أكثر وضوحاً وفعالية وإنصافاً للمواطنين.

الاخبار العاجلة