من ”قيود الأسرة” إلى جولات العالم…كيف تصنع رواية إنسانية لتفسير الهجرة إلى سبتة المحتلة..؟

مدير الموقع20 أغسطس 2026
من ”قيود الأسرة” إلى جولات العالم…كيف تصنع رواية إنسانية لتفسير الهجرة إلى سبتة المحتلة..؟

العيون الآن 

حمزة وتاسو – العيون.

لا تكمن أهمية قصة الشابة المغربية وفاء التي وصلت سباحة إلى سبتة المحتلة في 30 يوليوز الماضي، في تفاصيل رحلتها وحدها وإنما في الطريقة التي جرى بها تقديم قصتها للرأي العام، وفي السردية التي وضعت ”قيود الأسرة” و”حرمان المرأة من الدراسة والسفر” في قلب أسباب مغادرتها المغرب.

ففي مقابلة مصورة مع صحيفة «إل باييس»، قدمت وفاء رواية شخصية ذات حمولة إنسانية قوية، تتحدث فيها عن أسرة قالت إنها كانت تريد منها البقاء في المنزل، وعن قيود حالت بحسب روايتها، دون تحقيق طموحاتها في الدراسة والسفر، وهي رواية قادرة بطبيعتها على نقل النقاش من سؤال الهجرة غير النظامية إلى سؤال الحقوق والحريات ووضع المرأة.

غير أن ظهور صور ومنشورات منسوبة إلى حساباتها، توثق رحلات سابقة إلى وجهات دولية بينها قطر وتركيا، مع تداول صور أخرى تنسب إليها زيارات إلى دبي وماليزيا، يفتح الباب أمام سؤال مختلف هل نحن أمام رواية كاملة، أم أمام اختيار جانب واحد من قصة أكثر تعقيدا لتفسير قرار الهجرة ؟

وهنا تكمن النقطة الأكثر إثارة للاهتمام في هذه القضية، فالروايات المرتبطة بالهجرة لا تقدم دائما باعتبارها سجلا كاملا للوقائع، وإنما قد يجري اختزال تجارب معقدة في سبب واحد يسهل فهمه وتسويقه إعلاميا وفي هذه الحالة تبدو قصة ”المرأة التي قيدتها أسرتها فاختارت الهجرة” أكثر قابلية للتلقي من رواية متعددة العوامل تتداخل فيها اعتبارات اقتصادية واجتماعية وشخصية ونفسية وطموحات فردية.

ولا يعني ذلك بالضرورة، أن الحديث عن وجود قيود أسرية كان مختلقا، إذ إن السفر الدولي في مرحلة معينة من حياة الشخص لا ينفي تلقائيا وجود قيود أخرى في مرحلة مختلفة، لكن الصور المتداولة تجعل من الصعب التعامل مع رواية ”المنع من السفر” باعتبارها تفسيرا بسيطا وشاملا لحياة الشابة وقرارها بالوصول إلى سبتة المحتلة.

لماذا قد يجري تسويق رواية بهذه الصيغة ؟، أحد التفسيرات المحتملة يرتبط بطبيعة الإعلام الإنساني نفسه، فالقصص التي تحتوي على ضحية وقيود اجتماعية ورغبة في التحرر تكون أكثر قدرة على جذب الجمهور وإثارة التعاطف من القصص التي تقدم الهجرة باعتبارها قرارا فرديا معقدا تحكمه عوامل متعددة.

كما أن تحويل حالة فردية إلى قصة رمزية قد يخدم سردية أوسع حول الهجرة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمهاجرة امرأة؛ إذ تصبح تجربتها الشخصية مدخلا للحديث عن المرأة والمجتمع والحقوق والحريات، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بظروف الرحلة نفسها، وكيفية اتخاذ قرار الهجرة، وما إذا كانت هناك دوافع أخرى لم تظهر في الرواية الإعلامية.

وهناك بعد آخر لا يقل أهمية، يتعلق بمن يملك القدرة على صياغة القصة وتحديد زاوية تقديمها، فالمهاجر لا يصل إلى الجمهور مباشرة في كثير من الحالات بل تمر تجربته عبر وسائل إعلام، ومقابلات، وصور، ومنشورات، ومؤسسات أو أفراد يتولون نقل قصته، وفي هذه العملية، يمكن أن تتقدم بعض التفاصيل إلى الواجهة، بينما تتراجع تفاصيل أخرى، سواء بقصد أو نتيجة لطبيعة المعالجة الإعلامية.

ومن هنا فإن القضية لا ينبغي أن تتحول إلى معركة بين ”رواية وفاء” و”صور وفاء”، وإنما إلى سؤال مهني أوسع حول كيفية صناعة السرديات المرتبطة بالهجرة، ولماذا يتم أحيانا التركيز على دوافع معينة دون غيرها.

فالهجرة غير النظامية إلى سبتة المحتلة ظاهرة مركبة، ولا يمكن تفسيرها حصرا بالفقر، ولا بالقيود الأسرية، ولا بالرغبة في تحسين الوضع الاقتصادي، وفي كل حالة فردية، قد تتداخل اعتبارات متعددة يصعب اختزالها في جملة واحدة أو مقابلة واحدة.

واللافت في حالة وفاء أن أرشيفها الرقمي، إذا ثبتت صحة الصور وتواريخها ونسبتها إليها، يقدم جزءا من القصة مختلفا عن الصورة التي ظهرت في المقابلة، وهذا لا يثبت وحده أن روايتها مختلقة، لكنه يكفي لطرح أسئلة مشروعة حول مدى اكتمال الرواية، والدوافع الحقيقية للهجرة، والجهة التي اختارت هذه الزاوية تحديدا لتقديم القصة إلى الجمهور.

في النهاية قد لا تكون القضية في أن وفاء قالت الحقيقة كاملة أو قدمت رواية غير حقيقية بالكامل، بل في أن قصة إنسانية معقدة ربما جرى اختزالها في رواية واحدة سهلة التداول، وهنا تصبح مهمة الصحافة ليست تبني الرواية ولا هدمها، وإنما تفكيكها، ومقارنة أقوال صاحبتها بالمعطيات المتاحة، والبحث عما لم يظهر في الصورة أيضا.

وهذا هو السؤال الأهم: هل نحن أمام حقيقة مكتملة، أم أمام قصة جرى اختيار أكثر أجزائها تأثيرا على الجمهور ؟

الاخبار العاجلة