العيون الآن.
حمزة وتاسو – العيون.
قبل أقل من عام خرج آلاف الشباب في مدن مغربية عدة إلى الشارع مطالبين بتحسين الصحة والتعليم وتوفير فرص العمل، في حراك قادته شبكات شبابية غير مرتبطة بالبنية الحزبية التقليدية، قبل أن تعود الأحزاب اليوم، إلى مخاطبة الجيل نفسه من بوابة الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري، وبين الاحتجاج والاقتراع، تبرز معضلة واحدة هل يمكن للمؤسسات السياسية أن تقنع شبابا عبروا عن مطالبهم خارجها بأن صندوق الاقتراع قادر على إحداث التغيير الذي يبحثون عنه ؟
تكشف الحملة الانتخابية الحالية أن الشباب أصبح في قلب الحسابات السياسية للأحزاب، فالتجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة يضعان التشغيل ضمن أبرز وعودهما، مع تعهدات بإحداث نحو مليون فرصة عمل، إلى جانب ملفات السكن والتعليم والصحة والقدرة الشرائية، كما تسعى الأحزاب إلى تقديم مرشحين أصغر سنا وتكثيف حضورها على منصات التواصل الاجتماعي، في محاولة للوصول إلى جمهور لم تعد وسائل الاتصال السياسي التقليدية كافية لبلوغ اهتمامه.
لكن المسألة تتجاوز شكل الحملة الانتخابية، فاحتجاجات “GenZ 212” خلال خريف 2025 أظهرت أن عزوف شريحة من الشباب عن الانخراط في التنظيمات السياسية لا يعني بالضرورة ابتعادها عن الشأن العام، فقد تمكنت الحركة من التعبئة والتنسيق عبر منصات رقمية، بينها ديسكورد وتيك توك وإنستغرام، ورفعت مطالب سياسية واجتماعية تتصل مباشرة بجودة الخدمات العمومية وفرص العمل والكرامة الاجتماعية، وكان لافتا أن هذا التنظيم جرى إلى حد كبير خارج الأحزاب والنقابات والهياكل السياسية المعروفة.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية في المشهد الانتخابي: الشباب الذي أثبت قدرته على التعبئة السياسية لا يبدو بالقدر نفسه من الحماس للمشاركة عبر القنوات الانتخابية التقليدية، ووفق معطيات نشرتها وكالة أسوشيتد برس، لا تتجاوز نسبة المسجلين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاما نحو 4% من مجموع الناخبين المسجلين، رغم أن هذه الفئة تمثل قرابة 12% من السكان.
وتعزز نتائج استطلاع أفروباروميتر المنشور في مارس 2026 هذه الصورة، فقد قال نحو ثلث الشباب المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاما إنهم يثقون بدرجات متفاوتة، في البرلمان بنسبة 37%، وفي رئيس الحكومة بنسبة 33%، وفي أحزاب الأغلبية والمعارضة بنسبة 33% لكل منهما، كما كان الشباب أكثر ميلا من الفئات الأكبر سنا إلى الاعتقاد بوجود فساد بين بعض المنتخبين والبرلمانيين ومسؤولي رئاسة الحكومة.
ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة أن الشباب غير مهتم بالسياسة، بقدر ما تفتح سؤالا مختلفا حول الثقة في الوسيلة السياسية نفسها، فحين يستطيع شاب أن ينخرط في نقاش عام أو يشارك في حملة رقمية، أو ينضم إلى احتجاج منظم عبر منصة إلكترونية، من دون أن يجد نفسه مضطرا إلى الانتساب إلى حزب، تصبح الانتخابات أمام اختبار مختلف ليس اختبار القدرة على جذب الشباب إلى الخطاب السياسي فقط، بل إقناعه بأن صوته الانتخابي يمكن أن يتحول إلى تأثير فعلي في السياسات العامة.
وتأتي أزمة الثقة في سياق اقتصادي واجتماعي لا يسمح بهامش كبير للوعود العامة، ففي الربع الثاني من 2026، بلغ معدل البطالة في صفوف الشباب بين 15 و24 عاما 27.2% وفق المؤشرات الجديدة للمندوبية السامية للتخطيط، مع تسجيل 37.6% عند احتساب مفهوم أوسع للبطالة والقوة العاملة المرتبطة بإشغال العمل، كما تشير المندوبية إلى أن نحو شاب واحد من كل ثلاثة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاما يوجد خارج العمل والتعليم والتكوين.
وفي المقابل، يواصل المغرب تنفيذ استثمارات كبرى في البنية التحتية والموانئ والطاقة والصناعة، بينما يستعد لاستحقاقات كبرى من بينها كأس العالم 2030، وتؤكد المؤسسات الاقتصادية الدولية أن الاقتصاد المغربي حقق تقدما في عدد من المجالات، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى استمرار تحدي تحويل النمو والاستثمار إلى فرص عمل كافية، خصوصا لفائدة الشباب والنساء، وقد قدر البنك الدولي أن إصلاحات هيكلية إضافية يمكن أن تتيح للمغرب خلق 1.7 مليون فرصة عمل إضافية بحلول 2035.
وتعود هذه الإشكالية أيضا إلى “النموذج التنموي الجديد” الذي وضع في 2021 أهدافا بعيدة المدى، من بينها مضاعفة الناتج الداخلي الإجمالي للفرد إلى 16 ألف دولار وفق تعادل القوة الشرائية بحلول 2035، إلى جانب تحسين جودة التعليم والصحة ورفع مستوى المشاركة الاقتصادية، غير أن تحقيق هذه الأهداف يبقى مرتبطا بقدرة الإصلاحات على إنتاج أثر ملموس في حياة المواطنين، وليس فقط بتحقيق مؤشرات استثمارية أو بنيوية.
وفي مواجهة هذا التحدي، اتجه المشرع إلى تعزيز حضور الشباب داخل المؤسسة المنتخبة نفسها، فقد أقرت المنظومة الانتخابية الجديدة حوافز مالية لتشجيع ترشح الشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة، وتشمل هذه الآليات المرشحين المنتمين إلى الأحزاب وغير المنتمين إليها، كما رفعت قيمة الدعم المرتبط بالمقاعد التي يفوز بها الشباب إلى ستة أضعاف الدعم الممنوح لباقي المرشحين في الدوائر المحلية، مع تبسيط بعض شروط ترشح الشباب المستقلين.
غير أن إدخال وجوه شابة إلى البرلمان أو إلى الهياكل الحزبية لا يحسم وحده أزمة الثقة، فالشاب الذي يظهر في حملة انتخابية أو يتصدر لائحة حزبية لا يصبح تلقائيا ممثلا لجيل كاملا، الاختبار الحقيقي يتعلق بموقع هؤلاء الشباب داخل عملية صناعة القرار، وبمدى قدرتهم على التأثير في صياغة البرامج والسياسات، وليس فقط الظهور في الحملات أو إدارة المحتوى الرقمي.
وتواجه الأحزاب في هذا السياق، تحديا مزدوجا، فهي مطالبة من جهة بتقديم إجابات قابلة للقياس عن التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية، ومن جهة أخرى بإعادة بناء علاقة سياسية مع جيل أصبح أكثر قدرة على الوصول إلى المعلومة والتعبير والتنظيم خارج القنوات التقليدية، أما الوعود الانتخابية وحدها فقد لا تكون كافية إذا لم تقترن بآليات واضحة للمحاسبة والتنفيذ وربط المسؤولية بالنتائج.
كما أن النقاش لا يتعلق بالأحزاب وحدها، ففعالية المؤسسات المنتخبة ومدى قدرتها على التأثير في السياسات العامة عنصر أساسي في تشكيل السلوك الانتخابي، وكلما اتسعت المسافة في نظر المواطن، بين المشاركة في الانتخابات وبين القرارات التي تمس حياته اليومية، أصبح من الأصعب إقناعه بأن الاقتراع يمثل أداة مباشرة للتغيير.
لهذا تبدو انتخابات 23 شتنبر أكثر من مجرد تنافس بين أحزاب وبرامج انتخابية، إنها محطة لاختبار العلاقة بين جيل شبابي أثبت قدرته على الحضور السياسي خارج المؤسسات، وبين مؤسسات تحاول اليوم استعادته إلى داخلها، وقد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الشباب مهتما بالسياسة، فقد أظهر الحراك الأخير أنه كذلك، وإنما ما إذا كان يرى في الانتخابات امتدادا لهذا الاهتمام، أم مسارا مختلفا لا يزال يحتاج إلى استعادة الثقة.
وفي النهاية ستظل صناديق الاقتراع هي المحطة التي ستكشف حجم المسافة بين خطاب الأحزاب وانتظارات الشباب، فالتحدي لم يعد مجرد إقناع جيل جديد بالتصويت، بل إقناعه بأن المشاركة السياسية يمكن أن تنتقل من مجرد التعبير عن المطالب إلى التأثير في القرارات التي تصنع مستقبله.












