العيون الآن
حمزة وتاسو – العيون.
تعيد الوقفة التي شهدتها الرباط يوم 12 أكتوبر 2026 أمام مندوبية السجون ورفع علم جبهة البوليساريو الانفصالية خلالها ملف معتقلي أحداث أكديم إزيك إلى واجهة التجاذب السياسي والإعلامي، في توقيت يتزامن مع محطة أممية مهمة بشأن الصحراء المغربية، ويثير هذا التحرك تساؤلات بشأن حدود الفصل بين المطالب المرتبطة بأوضاع المعتقلين وتوظيف القضايا القضائية في سياق النزاع حول الوحدة الترابية للمملكة، دون أن يشكل التزامن وحده دليلا على وجود تنسيق خارجي.

وتستحضر أحداث الثامن من نونبر 2010 واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ المواجهات التي شهدتها مدينة العيون، بعدما أسفرت عملية تفكيك مخيم أكديم إزيك عن مقتل 11 عنصرا من القوات العمومية وإصابة آخرين، في أحداث ارتبطت بأعمال عنف خطيرة خلفت صدمة واسعة في المغرب.

وتكشف المعطيات التي تناولتها التحقيقات والمحاكمات عن خطورة الأفعال المنسوبة إلى المتورطين، بما في ذلك الاعتداءات التي طالت أفراد القوات العمومية والتمثيل بجثث بعض الضحايا، فضلا عن وقائع نقلتها تقارير إعلامية بشأن التبول على جثث بعد قتل أصحابها، وهي تفاصيل لا يمكن القفز عليها عند استحضار القضية كما لا يجوز فصلها عن حقوق الضحايا وأسرهم في الإنصاف وصون الذاكرة.

وأفضى المسار القضائي إلى إدانة متهمين في الملف، بعد إعادة محاكمتهم أمام القضاء المدني سنة 2017، بأحكام تراوحت بين السجن المؤبد وعقوبات سالبة للحرية متفاوتة المدد، وتظل هذه الأحكام جزءا محوريا من السجل القضائي للقضية، بما يستوجب التمييز بين الوقائع التي أثبتتها الأحكام وما يرد بشأنها من ادعاءات أو روايات إعلامية.
وتثير العودة إلى الملف في كل محطة سياسية مرتبطة بالصحراء المغربية، سؤالا جوهريا حول كيفية تقديم أحداث أكديم إزيك للرأي العام، فعندما ينحصر الخطاب في أوضاع المعتقلين، ويغيب عنه ذكر الضحايا وسياق الأحداث والأحكام القضائية، تصبح الصورة المعروضة ناقصة، ويختزل ملف بالغ الخطورة في رواية أحادية لا تستوعب مختلف جوانبه.
ويكتسب رفع علم جبهة البوليساريو أمام مؤسسة عمومية مغربية دلالة سياسية تستحق التوقف عندها، بالنظر إلى ارتباط هذا الرمز بطرف في النزاع حول الصحراء المغربية، غير أن تقييم أهداف الوقفة والجهات التي تقف وراءها يظل رهينا بمعطيات موثقة لا بمجرد الاستنتاجات، مع ضرورة التمييز بين المطالب الحقوقية المشروعة وأي توظيف سياسي محتمل للقضايا السجنية.
ويتزامن هذا التحرك مع استعداد مجلس الأمن لمناقشة تطورات ملف الصحراء المغربية وتجديد ولاية بعثة المينورسو خلال أكتوبر الجاري، ما يمنح التحركات الميدانية والرسائل الإعلامية أهمية إضافية في سياق التنافس على التأثير في الرأي العام، لكن قراءة هذا التزامن تقتضي الحذر من تحويله إلى دليل قاطع على وجود توجيه أو تنسيق لم تثبته معطيات مستقلة.
ويفرض استحضار أحداث أكديم إزيك التمسك بذاكرة كاملة لا تنتقي من الوقائع ما يخدم رواية بعينها، ولا تتجاهل حقوق المعتقلين التي يكفلها القانون ولا تنتقص في المقابل من حقوق الضحايا وأسرهم، فاحترام الضمانات القانونية لا يعني محو المسؤولية التي تقررها الأحكام القضائية، كما أن الدفاع عن حقوق السجناء لا يقتضي تجاهل ما تعرض له أفراد القوات العمومية خلال تلك الأحداث.
وتبقى مواجهة الروايات المتنازعة بشأن الصحراء المغربية رهينة عرض الوقائع والأحكام والأدلة بوضوح، والرد على الادعاءات بالحجة الموثقة بعيدا عن المبالغة أو الأحكام التي تسبق إثباتها، فأحداث أكديم إزيك ليست مجرد عنوان في سجال سياسي متجدد، بل قضية خلفت قتلى وجرحى وأحكاما قضائية، ولا يمكن تناولها بمهنية من دون استحضار جميع أطرافها ووقائعها أما رفع الرموز السياسية في سياق الاحتجاج، فيظل موضوعا للنقاش القانوني والسياسي وفق الوقائع الثابتة، لا بديلا عن الاحتكام إلى الأدلة والقانون.
