العيون الآن
الحافظ ملعين _ العيون
لم تعد نتائج الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 بجهتي العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب مجرد انتصار انتخابي لحزب الاستقلال، بل أضحت مؤشرا على تحول أعمق في موازين الحضور السياسي للأقاليم الجنوبية داخل المشهد الوطني. فبينما كانت صناديق الاقتراع تعلن عن تصدر الحزب للمشهد بالجهتين، كان اسم سيدي محمد ولد الرشيد يتقدم نحو واجهة أخرى أكثر اتساقا بصناعة القرار، في مشهد يجمع بين القوة الانتخابية والامتداد السياسي لحزب علال الفاسي، ويطرح تساؤلات بشأن موقع النخب الصحراوية في استراتيجية المرحلة السياسية المقبلة.
وتزداد هذه الدلالات وضوحا مع مشاركة سيدي محمد ولد الرشيد، إلى جانب الأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة، ورئيس المجلس الوطني للحزب عبد الجبار الراشدي، وعضو اللجنة التنفيذية للحزب عبد الصمد قيوح، ضمن الوفد الرسمي الذي حضر لقاء رئيسة الحكومة المعينة فاطمة الزهراء المنصوري، في إطار المشاورات المتعلقة بتشكيل الأغلبية الحكومية، فالحدث، في ظاهره، لقاء سياسي جمع قيادة حزب الاستقلال برئيسة الحكومة المعينة، لكنه في دلالاته يسلط الضوء أيضا على حضور شخصية صحراوية وازنة ضمن إحدى أبرز محطات التفاوض السياسي الوطني بالمملكة، بما يجعل مشاركة سيدي محمد ولد الرشيد محط اهتمام المتابعين للشأن الوطني والجهوي على حد سواء.
واللافت في هذه المعادلة أن حضور ولد الرشيد لم يأت من فراغ، بل يتزامن مع نتائج انتخابية متميزة وطنيا فرضت نفسها بقوة في جهتي العيون والداخلة، حيث استطاع حزب الاستقلال تحويل امتداده التنظيمي والتعبئة الميدانية إلى رصيد انتخابي ملموس. ومن ثم، فإن الانتقال من قيادة الحضور الميداني إلى المشاركة في مشاورات تشكيل الحكومة يمنح هذه النتائج أبعادا تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة، ويعيد طرح العلاقة بين الوزن الانتخابي الجهوي وموقع ممثليه داخل دوائر القرار المركزي.
وعلاوة على ذلك، فإن خصوصية سيدي محمد ولد الرشيد تكمن في جمعه بين المسؤولية الحزبية والموقع المؤسساتي باعتباره رئيسا لمجلس المستشارين، وهي معادلة تمنح حضوره بعدا يتجاوز مجرد الانتماء إلى وفد تفاوضي. فالرجل يمثل، في هذه اللحظة، نقطة التقاء بين ثلاثة مستويات من التأثير: الامتداد الصحراوي، والوزن التنظيمي داخل حزب الاستقلال، والحضور في إحدى المؤسسات الدستورية الأساسية بالمملكة. وبناء عليه، فإن مشاركته في المشاورات الحكومية تطرح دلالة سياسية أوسع تتعلق بانتقال نخب الأقاليم الجنوبية من موقع التأثير في نتائج الانتخابات إلى فضاء المساهمة في النقاشات المرتبطة بتدبير الشأن العام الوطني.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بالموقع المشهود لولد الرشيد داخل الوفد الاستقلالي، وإنما بما يمكن أن تفرزه هذه الدينامية من تمثيلية فعلية للأقاليم الجنوبية داخل الحكومة المقبلة. فبعد تصدر حزب الاستقلال انتخابيا بالعيون والداخلة، وبعد الحضور اللافت لشخصية صحراوية في المفاوضات الحكومية، تبدو الأنظار متجهة نحو طبيعة الاختيارات التي سترافق توزيع المسؤوليات التنفيذية، ومدى استحضار الكفاءات القادمة من الجهات الجنوبية في تشكيل الفريق الحكومي الجديد.
ومن زاوية أخرى، فإن الرهان لا ينبغي أن يختزل في مجرد الحصول على حقيبة وزارية، بل يتصل أيضا بمدى قدرة الحكومة المقبلة على تحويل التمثيلية الجغرافية إلى حضور تنفيذي فاعل، يحمل انتظارات المواطنين ويساهم في معالجة قضايا التنمية والتشغيل والاستثمار والبنيات التحتية بالأقاليم الجنوبية. فالمكانة الانتخابية التي أفرزتها صناديق الاقتراع، وما راكمته النخب الصحراوية من تجربة سياسية ومؤسساتية، يفتحان نقاشا مشروعا حول طبيعة المشاركة المنتظرة في تدبير المرحلة المقبلة.
وبين اكتساح حزب الاستقلال لصناديق الاقتراع بجهتي العيون والداخلة، وحضور سيدي محمد ولد الرشيد في قلب المشاورات الحكومية المستجدة، يبدو أن المشهد السياسي يفتح صفحة جديدة تعزز علاقة الأقاليم الجنوبية بمراكز القرار الوطني. وهنا يبرز سؤال قد يتحول إلى أحد العناوين البارزة في الأيام المقبلة: هل ستترجم هذه المكانة الانتخابية والسياسية إلى تمثيلية داخل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، في حال دخول حزب الاستقلال أو انضمامه إلى الأغلبية الحكومية؟ وهل ستشهد التشكيلة الحكومية المرتقبة حضور وزير أو وزير منتدب أو كاتب دولة من أبناء الأقاليم الجنوبية؟ أم أن الحضور الصحراوي سيظل هذه المرة في حدود المشاورات الحزبية والمؤسساتية؟ سؤال مفتوح على أكثر من احتمال، لكن المؤكد أن نتائج صناديق الاقتراع بالعيون والداخلة وضعت هذا النقاش في صلب انتظارات المرحلة الجديدة، وهي مرحلة يرتقب أن تعرف تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، خصوصا في ظل الرهان على حكومة مطالبة بمواكبة المسار الوطني المرتبط بتنزيل مبادرة الحكم الذاتي.











