العيون الآن
حمزة وتاسو – العيون.
شرعت السلطات الإسبانية الأحد، في إخلاء مخيم للمهاجرين أقيم على أحد شواطئ سبتة المحتلة، بالتزامن مع الاستعدادات الجارية لزيارة مرتقبة للملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى المدينة في 13 أكتوبر الجاري، في خطوة تكشف حجم الحساسية السياسية والأمنية التي تحيط بهذا الجيب المحتل، بعد واحدة من أكبر موجات تدفق المهاجرين التي شهدتها المنطقة.
وأطلقت الشرطة الإسبانية عملية الإخلاء من مخيم شاطئ ترامبولين بمشاركة أكثر من 350 شرطيا، إلى جانب جنود وآليات مدرعة، فيما قدرت السلطات عدد المهاجرين المقيمين في الموقع بنحو ثلاثة آلاف شخص، كانوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية التي يوفرها الصليب الأحمر، ولا سيما الوجبات اليومية.
وأعلنت السلطات أن المرحلة الأولى من العملية تقضي بنقل المهاجرين إلى مركز مخصص للتحقق من هوياتهم، قبل توزيعهم على مخيم مؤقت أقامته السلطات الإسبانية، غير أن محدودية الطاقة الاستيعابية للموقع البديل تضع العملية أمام عقبة واضحة، بعدما أقرت الشرطة بأن الإخلاء قد يتوقف في حال امتلاء المخيم المؤقت وعدم توفر أماكن إضافية.
ويعيد هذا المشهد إلى الواجهة التداعيات الثقيلة لأزمة تدفق المهاجرين إلى سبتة المحتلة، بعدما شهدت المدينة يومي 30 و31 يوليوز موجة وصول جماعية لأكثر من 70 ألف شخص قادمين من المغرب، عاد معظمهم إلى الأراضي المغربية خلال أيام، بينما بقي آلاف الأشخاص داخل المدينة، بعضهم في الشوارع وبعضهم الآخر في ظروف إقامة مؤقتة على الشاطئ.
وكشفت تلك الأزمة التي أودت بحياة عشرات الأشخاص، عن التعقيدات الأمنية والإنسانية والسياسية التي تحيط بواقع سبتة المحتلة، كما وضعت السلطات الإسبانية أمام اختبار صعب في إدارة مدينة ذات وضع استثنائي، ترتبط جغرافيا بالمغرب وتفصلها عن الأراضي الإسبانية مسافة واسعة، فيما يظل ملف الهجرة أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين الرباط ومدريد.
وتعيد الخطوة الإسبانية الحالية في هذا السياق، ترتيب المشهد الميداني قبيل زيارة العاهلين الإسبانيين إلى سبتة المحتلة، وهي الزيارة التي أعلن عنها القصر الملكي الخميس، بالتنسيق مع الحكومة الإسبانية، ويبدو أن إخلاء المخيم لا ينفصل عن الرغبة في إعادة تنظيم الفضاء العام وتفادي بقاء مشاهد الاكتظاظ والإقامة في العراء حاضرة خلال زيارة ملكية تحمل أبعادا سياسية ورمزية تتجاوز بعدها البروتوكولي.
وتضع هذه التطورات مدريد أمام معادلة معقدة: معالجة التداعيات الإنسانية للأزمة من جهة، والحفاظ على صورة السيطرة المؤسساتية على المدينة من جهة أخرى، في وقت أظهر فيه التدفق المفاجئ للمهاجرين مدى حساسية الوضع في سبتة ومليلية المحتلتين، ومدى ارتباط استقرارهما بالتطورات الأمنية والاجتماعية والسياسية المحيطة بهما.
وتكشف الأزمة في جانب آخر، أن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي لمعالجة ظاهرة الهجرة في هذه المنطقة، خصوصا عندما تتحول الجيوب المحتلة إلى نقاط جذب أو عبور بفعل موقعها الجغرافي، كما أن استمرار إقامة آلاف المهاجرين في الشوارع والشواطئ يضع السلطات الإسبانية أمام تحديات تتعلق بالإيواء والتحقق من الهويات والتدبير الإنساني، فضلا عن الكلفة الأمنية واللوجستية لهذه العمليات.
وتحمل عملية الإخلاء أيضا دلالة سياسية واضحة في توقيتها، إذ تأتي قبل أيام قليلة من الزيارة الملكية المرتقبة، بما يجعل إعادة ترتيب المشهد داخل سبتة المحتلة جزءا من إدارة الصورة العامة للمدينة أمام الرأي العام الإسباني والأوروبي، غير أن نقل المهاجرين من شاطئ إلى مخيم مؤقت لا يلغي جذور الأزمة، ولا يحسم مصير من لا يجدون مكانا في المنشأة البديلة.
وتؤكد هذه التطورات مجددا أن قضية سبتة ومليلية المحتلتين ليست مجرد ملف أمني أو إداري بالنسبة إلى إسبانيا، بل قضية مرتبطة بجغرافيا المغرب وبواقع استثنائي فرضه استمرار الاحتلال الإسباني لمدينتين تقعان في شمال المملكة، وبينما تحاول مدريد احتواء تداعيات أزمة الهجرة وإعادة ضبط المشهد قبيل الزيارة الملكية، تظل الأسئلة الأعمق المرتبطة بمستقبل المدينتين وموقعهما في محيطهما المغربي قائمة، خصوصا كلما كشفت الأزمات المتلاحقة هشاشة التوازن الذي تقوم عليه إدارة هذا الواقع الاستثنائي.
وتشير العملية الجارية إلى أن مدريد دخلت مرحلة جديدة من احتواء آثار أزمة يوليوز، لكن نجاحها لن يقاس فقط بإزالة المخيم من شاطئ ترامبولين، وإنما بقدرتها على معالجة تداعيات موجة كشفت على نحو لافت، أن أمن واستقرار سبتة ومليلية المحتلتين يظلان وثيقي الصلة بمحيطهما المغربي وبطبيعة العلاقة التي تربط إسبانيا بالمملكة.











