العيون الآن
الحافظ ملعين _ طانطان
لوريتا من ليتوانيا في موسم طانطان.. عائلة صحراوية تهديها الملحفة وتشاركها الكسكس لتكتشف أن كرم الصحراء لغة يفهمها الجميع
لم تكن لوريتا، السائحة القادمة من ليتوانيا، تتوقع أن تتحول زيارتها الأولى لموسم طانطان إلى تجربة إنسانية استثنائية، تتجاوز حدود الفرجة واكتشاف الثقافات إلى عيش تفاصيل الحياة الصحراوية، بكل ما تختزله من كرم الضيافة ودفء الاستقبال وصدق المشاعر. ففي خيمة إحدى العائلات الصحراوية المشاركة في فعاليات الدورة التاسعة عشرة من الموسم، وجدت نفسها ضيفة مرحبا بها، ترتدي الملحفة الصحراوية، وتشارك أفراد الأسرة لعبتهم التقليدية «السيݣ» ومائدة الكسكس، في مشهد يلخص قدرة التراث على التقريب بين الشعوب، حتى عندما تختلف اللغات.
وشهد اليوم الأول من فعاليات الدورة التاسعة عشرة لموسم طانطان، المنظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، تحت شعار “موسم طانطان: تراث إنساني وجسر للتبادل الثقافي”، توافد ساكنة المدينة وزوارها القادمين من مختلف المدن المغربية وخارج المملكة إلى ساحة السلم والتسامح، حيث تحولت الخيام الصحراوية إلى فضاءات حية لاستحضار عادات الأجداد وتقاسم ملامح الثقافة الصحراوية الأصيلة مع زوار من ثقافات متعددة.
ومن بين هؤلاء الزوار، كانت لوريتا، التي قادها فضولها إلى إحدى الخيام للتعرف على لعبة “السيݣ” التقليدية، قبل أن تجد نفسها وسط عائلة صحراوية استقبلتها بعفوية، ودعتها إلى المشاركة في أجوائها الاحتفالية، وأهدتها ملحفة صحراوية لتعيش تجربة ارتداء الزي التقليدي، في مبادرة بسيطة في شكلها، عميقة في دلالاتها الإنسانية.
وفي تصريح لـ”العيون الآن”، عبرت لوريتا عن سعادتها بهذه التجربة، قائلة إن هذه هي المرة الأولى التي تزور فيها موسم طانطان، وإنها وجدت الناس ودودين للغاية، يتميزون بالدفء واللطف وحفاوة الترحيب.
وأضافت أنها جاءت في البداية لمجرد اكتشاف لعبة “السيك” والتعرف على طريقة ممارستها، لكنها فوجئت بدعوتها إلى المشاركة، وبالمبادرة اللطيفة التي قامت بها العائلة الصحراوية حين أهدتها ملحفة وألبستها الزي التقليدي، معتبرة أن ما عاشته تجربة جميلة ستظل عالقة بذاكرتها.
ولم تقف تجربتها عند حدود ارتداء الملحفة أو المشاركة في اللعبة، فقد أتيحت لها فرصة اكتشاف عالم الخيمة الصحراوية، والتعرف على الإبل المنتشرة في محيط الموسم، ومشاهدة مظاهر التنوع الثقافي الذي يجمع أبناء الصحراء وزوارها. كما شاركت أفراد العائلة إعداد وجبة الكسكس وتقاسمها، لتصبح ضيفة في تفاصيل يومهم، لا مجرد سائحة تكتفي بالمشاهدة من بعيد.
من جهتها، قدمت صاحبة الخيمة صورة أخرى لهذه الحكاية، عنوانها الاعتزاز بالتراث وتقاسم تفاصيله مع الآخر. وأوضحت أن العائلة تحرص، في كل دورة من دورات موسم طانطان، على نصب خيمتها واستحضار تقاليد الأجداد، باعتبارها جزءا أصيلا من الموروث الثقافي الصحراوي بالأقاليم الجنوبية للمملكة.
وقالت إن لوريتا قدمت من أوروبا، وإن أفراد العائلة استقبلوها بكل ترحاب، وشاركتهم لعبة “السيك”، قبل أن يهدوها الملحفة الصحراوية ويستضيفوها إلى مائدة الكسكس، في أجواء وصفتها بالجميلة والمميزة.
وعبرت صاحبة الخيمة عن سعادتها بهذه الزيارة، مؤكدة أن استقبال الضيوف وإكرامهم من العادات المتجذرة في المجتمع الصحراوي، وأن العائلة سرها أن ترى ضيفتها الأوروبية مندمجة في أجواء الخيمة، ومستمتعة بتفاصيل الثقافة المحلية، رغم اختلاف اللغة التي تتحدث بها.
وبين ابتسامة لوريتا واعتزاز صاحبة الخيمة بعاداتها، تجسدت إحدى أجمل رسائل موسم طانطان: أن التراث ليس مجرد أزياء وألعاب وأطباق تقليدية، بل ذاكرة حية تنتقل من جيل إلى جيل، وتكتسب معناها الأعمق حين تفتح أبوابها أمام الآخرين.
فقد لا تحتاج الضيافة إلى لغة مشتركة حتى تصل رسالتها، ولا يحتاج التقارب الإنساني إلى ترجمة حين تتحدث عنه هدية صادقة، ومائدة تجمع الغرباء، وخيمة تستقبل زائرا وكأنه واحد من أهلها.
وهكذا، لم تغادر لوريتا الخيمة الصحراوية بمجرد ذكرى زيارة لمهرجان، بل حملت معها تجربة إنسانية تختصر جانبا من روح الصحراء المغربية، روح ترى في الضيف مناسبة للاحتفاء، وفي تقاسم التراث فرصة للتعارف، وفي الانفتاح على الثقافات الأخرى جسرا يعبر من خلاله الموروث المحلي نحو العالم.
في موسم طانطان، قد تكون الملحفة التي أهدتها عائلة صحراوية للوريتا مجرد قطعة من الزي التقليدي، لكنها في حكاية هذه السائحة تحولت إلى رمز للترحيب والصداقة، وشاهد على أن كرم الصحراء لا يحتاج إلى ترجمان.










