كوكوس ترسم ملامح حكومة المنصوري: التحالف بشروط وبرنامج “البام” غير قابل للمساومة

محرر مقالات6 أكتوبر 2026

العيون الآن 

 

يوسف بوصولة – العيون

 

مع دخول مشاورات تشكيل الحكومة جولتها الثانية بدأت ملامح المقاربة التي يريد حزب الأصالة والمعاصرة اعتمادها في بناء الأغلبية المقبلة تتضح أكثر، بعدما كشفت نجوى كوكوس، رئيسة المجلس الوطني للحزب وعضو لجنة تدبير مشاورات تشكيل الحكومة، عن الشروط السياسية والبرنامجية التي سيحتكم إليها “البام” في اختيار شركائه، وعن الأولويات التي يريد وضعها في صدارة العمل الحكومي خلال السنوات الخمس المقبلة.

 

قالت كوكوس في حوار مع “الجزيرة نت” إن الجولة الثانية من المشاورات، التي تنطلق الاثنين 5 أكتوبر، ستنتقل من الاتصالات الأولية مع الأحزاب إلى “تحديد الخطوط الكبرى للتحالف الحكومي” ومناقشة هيكلة الحكومة وقطاعاتها، بعدما فوض المجلس الوطني للحزب فاطمة الزهراء المنصوري واللجنة المواكبة للمشاورات مهمة اختيار الأحزاب الأنسب لتشكيل الأغلبية.

 

يأتي ذلك بعدما تصدر الأصالة والمعاصرة انتخابات 23 شتنبر بـ97 مقعدا قبل أن يعين الملك محمد السادس المنصوري رئيسة للحكومة ويكلفها بتشكيلها، ليصبح الحزب أمام أول تجربة له في قيادة الجهاز التنفيذي، بعدما شارك في حكومة 2021-2026 دون أن يتولى رئاستها.

 

ورغم تأكيد كوكوس أن باب الحوار سيظل مفتوحا أمام مختلف القوى السياسية، بما فيها الأحزاب التي ستختار المعارضة، فإنها وضعت شرطين أساسيين أمام بناء التحالف الحكومي المقبل.

 

ويتعلق الشرط الأول بحسبه باحترام المرجعية التي يقدم بها الأصالة والمعاصرة نفسه باعتباره حزبا “حداثيا ديمقراطيا معتدلا ووسطيا”، وما يرتبط بذلك من مواقف تجاه الحقوق والحريات وقضايا المرأة وحرية التعبير والصحافة.

 

أما الشرط الثاني فيرتبط بالبرنامج الانتخابي للحزب والتزاماته العشرين التي خاض بها الانتخابات، إذ اعتبرت كوكوس أن هذه الالتزامات تمثل تعاقدا مع الناخبين ولا يمكن التخلي عنها خلال عملية صياغة البرنامج الحكومي.

 

وبهذا المعنى يفتح “البام” الباب أمام التوافق مع شركائه المحتملين حول كيفية تنزيل البرامج، لكنه يريد في المقابل الحفاظ على جوهر الالتزامات التي قدمها خلال الحملة الانتخابية.

 

تضاف إلى ذلك وفق كوكوس أوراش تعتبرها قيادة الحزب عابرة للحسابات الحزبية، من بينها قضية الوحدة الترابية والاستعداد لكأس العالم 2030، الذي ينظر إليه الحزب باعتباره فرصة تنموية واقتصادية واجتماعية، إلى جانب ملفات حقوقية وتشريعية ظلت معلقة خلال السنوات الماضية.

 

ورغم انتقال المشاورات إلى جولتها الثانية، أكدت رئيسة المجلس الوطني لـ”البام” أن الحزب لم يحسم بعد القطاعات الوزارية التي يريد تولي مسؤوليتها.

 

وتكشف هذه المقاربة وفق ما تعلنه قيادة الحزب عن رغبة في تقديم المفاوضات حول البرنامج وهندسة الحكومة على التفاوض المباشر حول توزيع الحقائب، مع الدعوة إلى تجاوز التدبير المنفصل للقطاعات نحو سياسات عمومية أكثر تكاملا.

 

وقالت كوكوس إن الحزب يعتبر أن التدبير التجزيئي لكل قطاع لم يعد مجديا، وإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تقوم على ربط البرامج الحكومية ببعضها وتقليص هدر الموارد والتركيز على أثر السياسات العمومية في الحياة اليومية للمواطنين.

 

وبذلك لا يتعلق الرهان بالنسبة إلى الحزب فقط بهوية الأحزاب المشاركة، بل أيضا بالصيغة التي ستعمل بها الحكومة الجديدة ومدى قدرتها على الحفاظ على الانسجام بين قطاعاتها ومكوناتها السياسية.

 

أما اجتماعيا فتضع قيادة الأصالة والمعاصرة أربعة ملفات في مقدمة الأولويات التي تريد نقلها إلى البرنامج الحكومي: معالجة اختلالات تنزيل الحماية الاجتماعية، وتحسين الخدمات الصحية داخل المستشفى العمومي، وإصلاح التعليم وتوفير فرص الشغل.

 

وربطت كوكوس هذه الملفات بمطلب أوسع يتعلق بالكرامة، معتبرة أن تحسين المدرسة والمستشفى العموميين وتوفير فرص العمل ينبغي أن يكون في قلب التدخل الحكومي خلال المرحلة المقبلة.

 

ويمتد تصور الحزب بحسبها إلى تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي عبر تحسين مناخ الأعمال، وتحديث الإدارة العمومية ورقمنتها، وتبسيط المساطر والرخص، إلى جانب تطوير الإطار القانوني والمؤسساتي المرتبط بالاستثمار.

 

وتعكس هذه الأولويات محاولة من الحزب المتصدر للانتخابات للانتقال من خطاب الحملة إلى صياغة برنامج حكومي مشترك، وهي المهمة التي ستكون مرتبطة في النهاية بطبيعة الأحزاب التي ستدخل الأغلبية ومدى التقاطع بين برامجها الانتخابية.

 

وتمنح قيادة الأصالة والمعاصرة تعيين المنصوري بعدا سياسيا مضاعفا؛ فهو يأتي بالتزامن مع تصدر الحزب الانتخابات للمرة الأولى، ومع وصول امرأة لأول مرة إلى رئاسة الحكومة في المغرب.

 

واعتبرت كوكوس أن هذه النتيجة جاءت بعد مسار انتخابي انتقل فيه الحزب من المرتبة الرابعة سنة 2011 إلى الثانية في استحقاقي 2016 و2021، قبل أن يحتل المركز الأول في انتخابات 2026.

 

لكن قيادة الحكومة تضع الحزب أيضا أمام اختبار مختلف عن المشاركة فيها. فبعد سنوات قضاها بين المعارضة والمشاركة الحكومية، سيكون مطالبا هذه المرة بصياغة برنامج الأغلبية وتنسيق عمل شركائها وتحمل المسؤولية السياسية الرئيسية عن حصيلة الجهاز التنفيذي.

 

وهو ما يجعل المفاوضات الحالية لا تتعلق فقط بتوفير الأغلبية العددية المطلوبة داخل مجلس النواب، وإنما ببناء تحالف يستطيع العمل وفق أرضية سياسية وبرنامجية مشتركة.

 

وفي الجهة المقابلة بدأ جزء من خريطة المعارضة يتضح منذ إعلان حزب العدالة والتنمية اختياره عدم المشاركة في حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة.

 

كوكوس أقرت بوجود اختلاف في المرجعيات بين الحزبين، ووصفت مساريهما بأنهما “خطان متوازيان يصعب التقاؤهما”، لكنها اعتبرت في المقابل أن اختيار العدالة والتنمية للمعارضة حق سياسي، مستحضرة أن “البام” نفسه اختار التموقع في المعارضة مباشرة عقب انتخابات 2011 و2016 عندما تصدر “البيجيدي” النتائج.

 

ورفضت القيادية في الأصالة والمعاصرة استباق طبيعة المواجهة السياسية داخل البرلمان، معتبرة أن الحديث منذ الآن عن معارضة قوية أو حادة للحكومة الجديدة يسبق تقديم البرنامج الحكومي الذي يفترض أن يكون أساس النقاش والاختلاف بين الأغلبية والمعارضة.

 

وبذلك تبدو العلاقة بين الطرفين مرشحة لأن تقوم على تنافس سياسي واضح بحكم اختلاف المرجعيات وموقعيهما داخل المؤسسات، في وقت تؤكد فيه قيادة “البام” رغبتها في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف الأحزاب، سواء داخل الأغلبية أو المعارضة.

 

ولم يغب الجدل الذي رافق الانتخابات عن حديث كوكوس، خصوصا التحقيقات الجارية في طنجة بشأن شبهات تزوير مرتبطة بمكتبي تصويت، والتي شملت مسؤولا إقليميا في الأصالة والمعاصرة.

 

وأكدت أن الحزب يعتبر الواقعة في حال ثبوتها، تصرفا فرديا لا يمثل قرارا حزبيا، مشيرة إلى أن لجنة الأخلاقيات قررت تجميد عضوية المسؤول المعني بعد انطلاق التحقيق القضائي وصدور بلاغ النيابة العامة.

 

وشددت على أن الحزب سينتظر نتائج المسطرة القضائية، وأنه سيتخذ الإجراءات التأديبية المنصوص عليها في أنظمته الداخلية إذا ثبتت الاتهامات، في وقت لا يزال فيه الملف معروضا على القضاء.

 

تكشف تصريحات رئيسة المجلس الوطني للأصالة والمعاصرة أن الحزب يريد دخول الجولة الثانية من المفاوضات بثلاثة محددات مترابطة: الحفاظ على مرجعيته السياسية، إدماج التزاماته الانتخابية في البرنامج الحكومي، وبناء حكومة تقوم على قدر من التكامل بين قطاعاتها بدلا من توزيع المسؤوليات بمنطق حزبي منفصل.

 

لكن الانتقال من هذه المبادئ إلى تحالف حكومي فعلي سيبقى رهيناً بنتائج المفاوضات الجارية مع الأحزاب المرشحة للمشاركة، وقدرتها على الوصول إلى أرضية مشتركة تجمع بين برامج انتخابية ومواقع سياسية مختلفة.

 

وبينما أصبحت هوية رئيسة الحكومة محسومة، يظل السؤال المفتوح متعلقاً بهوية شركائها وبحجم التنازلات والتوافقات التي ستفرضها صياغة البرنامج المشترك.

 

فبعد أن منحته انتخابات 2026 موقع قيادة الحكومة، ينتقل الأصالة والمعاصرة الآن من اختبار صناديق الاقتراع إلى اختبار مختلف: تحويل الفوز الانتخابي إلى أغلبية منسجمة وبرنامج قابل للتنفيذ، ثم الدفاع عن حصيلته أمام معارضة بدأت بدورها في ترتيب صفوفها.

الاخبار العاجلة