العيون الآن.
قبل خمسة أيام فقط كانت فاطمة الزهراء المنصوري تجلس أمام الصحافة بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية، وحين سئلت عن إمكانية توليها رئاسة الحكومة، اختارت جوابا مقتضبا: إذا طلب منها صاحب الجلالة تحمل المسؤولية، فسيكون ذلك “شرفا كبيرا”.
لم يطل انتظار الجواب. اليوم الثلاثاء 29 شتنبر 2026 استقبل الملك محمد السادس المنصوري بالقصر الملكي بالرباط، وعينها بمقتضى الفصل 47 من الدستور، رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، لتصبح بذلك أول امرأة تصل إلى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب.
محطة غير مسبوقة في المسار السياسي المغربي، لكنها بالنسبة للمنصوري تأتي في نهاية طريق طويل بدأ من المحاماة في مراكش، ومر من عمودية المدينة والبرلمان وقيادة حزب الأصالة والمعاصرة والحكومة، قبل أن يقودها وهي في الخمسين من عمرها إلى رئاسة الجهاز التنفيذي.
ولدت فاطمة الزهراء المنصوري في 3 يناير 1976 بمراكش داخل أسرة لم تكن بعيدة عن عالم القانون والإدارة والشأن العام. فوالدها عبد الرحمن المنصوري اشتغل بالمحاماة وتولى مسؤوليات إدارية ودبلوماسية، بينها باشوية مراكش وسفارة المغرب لدى دولة الإمارات العربية المتحدة.
تلقت المنصوري تكوينا قانونيا جمع بين المغرب والخارج، وحصلت على الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط، ودبلوم الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه إلى جانب تكوين في القانون الأنغلوساكسوني.
وبعيدا عن السياسة بدأت مسارها المهني من المحاماة وسجلت بهيئة المحامين بمراكش في مارس 2005، مع تخصص في القانون العقاري، قبل أن تتجه بعد سنوات قليلة نحو العمل الحزبي والانتخابي.
كانت تلك الخلفية القانونية مدخلها الأول إلى المجال العام، لكن مراكش ستتحول سريعا إلى المختبر الحقيقي الذي ستتشكل فيه شخصيتها السياسية.
التحقت المنصوري بحركة “لكل الديمقراطيين” قبل أن تكون ضمن الوجوه التي واكبت تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008. ولم تنتظر طويلا قبل أن تجد نفسها في أول اختبار سياسي كبير.
ففي يونيو 2009 انتخبت رئيسة لمجلس مدينة مراكش بعدما حصلت على 54 صوتا مقابل 35 للعمدة المنتهية ولايته عمر الجزولي. كانت يومها في الثالثة والثلاثين من عمرها، وأصبحت أول امرأة تتولى عمودية المدينة الحمراء.
لكن البداية لم تكن هادئة.
فبعد أسابيع من انتخابها، ألغت المحكمة الإدارية نتائج الاقتراع في دائرة المنارة التي انتخبت عنها، قبل أن تلغي محكمة الاستئناف الإدارية في شتنبر 2009 الحكم الابتدائي، لتحتفظ المنصوري بمنصبها وتواصل تدبير المدينة.
كانت تلك واحدة من أولى الأزمات التي واجهتها في مسارها السياسي ولم تكن الأخيرة. ففي صيف 2011، أعلنت استقالتها من رئاسة المجلس الجماعي وسط توترات مرتبطة بتدبير المدينة، قبل أن تتراجع عنها بعد ساعات.
وإذا كانت تلك المرحلة قد كشفت صعوبة تدبير مدينة بحجم مراكش، فإنها منحت المنصوري في المقابل حضورا وطنيا تجاوز سريعا حدود العمل المحلي.
في انتخابات 2011 انتقلت المنصوري إلى مجلس النواب ممثلة لدائرة المدينة سيدي يوسف بن علي بمراكش، قبل أن تجدد حضورها البرلماني في الولاية الموالية.
ومع انتخابات 2015، غادرت رئاسة مجلس مراكش بعدما انتقلت العمودية إلى محمد العربي بلقايد عن حزب العدالة والتنمية.
غير أن خروجها من تدبير المدينة لم يكن خروجا من دائرة القرار السياسي. داخل حزب الأصالة والمعاصرة كانت المنصوري تصعد تدريجيا في هياكله. تولت رئاسة المجلس الوطني للحزب، وأصبحت واحدة من الشخصيات الأساسية في إدارة توازناته الداخلية، في مرحلة عرف خلالها “البام” تحولات قيادية وصراعات تنظيمية متتالية.
وعندما بلغ الخلاف داخل الحزب ذروته قبيل مؤتمره الرابع سنة 2020، وجدت المنصوري نفسها ضمن “تيار المستقبل” الذي خرج منتصرا من المواجهة التنظيمية، وانتخب عبد اللطيف وهبي أمينا عاما بينما حافظت هي على رئاسة المجلس الوطني. لم تكن صاحبة أعلى صوت في تلك المعارك لكنها بقيت في قلب الحزب بعد انتهائها.
في شتنبر 2021، عادت المنصوري إلى النقطة التي بدأ منها صعودها السياسي. بعد ست سنوات من مغادرتها عمودية مراكش، انتخبت مرة أخرى رئيسة لمجلس المدينة، لتبدأ ولايتها الثانية على رأس العاصمة السياحية للمملكة. وتؤكد سيرتها الحزبية أنها تولت رئاسة مراكش بين 2009 و2015 قبل عودتها إلى المنصب سنة 2021.
وبعد أسابيع فقط انتقلت إلى مستوى جديد من المسؤولية. ففي 7 أكتوبر 2021، عينها الملك محمد السادس وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة عزيز أخنوش.
وهكذا جمعت بين تدبير مراكش محلياً والإشراف حكوميا على واحد من أكثر القطاعات ارتباطا بالمدينة والعقار والتعمير والسكن، وهي مجالات تلتقي أيضاً مع خلفيتها القانونية والمهنية.
جاءت المحطة التنظيمية الأهم في فبراير 2024. دخل حزب الأصالة والمعاصرة مؤتمره الخامس وهو يبحث عن صيغة لمرحلة ما بعد عبد اللطيف وهبي، لكنه خرج بنموذج مختلف: قيادة جماعية ثلاثية بدلا من أمين عام واحد. وفي قلب هذه الصيغة وُضعت فاطمة الزهراء المنصوري منسقة للقيادة الجماعية.
كانت الخطوة تتويجا لمسار طويل داخل الحزب. فمن منتخبة محلية التحقت به في سنواته الأولى، إلى رئيسة لمجلسه الوطني، ثم إلى الشخصية التي تتولى تنسيق قيادته.
واللافت أن المنصوري لم تقدم نفسها آنذاك باعتبارها “زعيمة” جديدة للحزب، بل شددت على الطابع الجماعي للقيادة وعلى الابتعاد عن شخصنة التنظيم.
ربما يلخص ذلك جزءا من أسلوبها السياسي: حضور في مركز القرار، لكن بقدر أقل من الاستعراض الإعلامي مقارنة بعدد من الشخصيات التي تعاقبت على قيادة الحزب.
جاءت انتخابات 23 شتنبر 2026 لتغير موقع المنصوري داخل المشهد السياسي كله. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج النهائية بحصوله على 97 مقعدا من أصل 395، متقدما على التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والعدالة والتنمية.
وبمجرد إعلان النتائج، انتقل اسم المنصوري من قيادة الحزب الفائز إلى صدارة النقاش حول رئاسة الحكومة المقبلة.
وعندما ظهرت أمام الصحافة في اليوم التالي تجنبت استباق المسار الدستوري، وربطت مسألة رئاسة الحكومة بالاختصاص الملكي، معبرة في الوقت نفسه عن استعدادها لتحمل المسؤولية إذا وقع عليها الاختيار.
على امتداد نحو عقدين لم يكن مسار فاطمة الزهراء المنصوري خطا مستقيما نحو رئاسة الحكومة. بدأت محامية ثم أصبحت عمدة في الثالثة والثلاثين. واجه انتخابها الأول طعنا قضائيا قبل أن تستعيد موقعها استئنافيا. مرت من أزمة استقالة قصيرة، وغادرت عمودية مراكش ثم عادت إليها، وانتقلت إلى البرلمان والحكومة، وعاشت من الداخل أزمات حزب الأصالة والمعاصرة وتغير قياداته.
تعاقبت أسماء عديدة على قيادة الحزب، بينما ظلت المنصوري حاضرة في بنيته التنظيمية، قبل أن تنتقل تدريجيا من إدارة جزء من توازناته إلى تنسيق قيادته.
ويمكن رصد سمة واضحة في حضورها العام: خطاب أقل صداماً وظهور إعلامي أكثر انتقائية، وميل إلى العمل داخل المؤسسات والهياكل الحزبية أكثر من بناء الحضور على المواجهات اليومية.
لكن هذه السمات تبقى جزءا من قراءة مسارها السياسي، أما الاختبار الجديد فمختلف تماما.
فرئاسة الحكومة لا تعني إدارة مدينة أو وزارة أو حزب، بل الانتقال إلى قيادة جهاز تنفيذي كامل، والتفاوض على تشكيل أغلبية حكومية، ثم تحويل البرامج والوعود الانتخابية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ.
في 2009، دخلت فاطمة الزهراء المنصوري مكتب عمدة مراكش للمرة الأولى وهي في الثالثة والثلاثين من عمرها. وفي 2021، عادت إلى المكتب نفسه، ودخلت في العام ذاته الحكومة وزيرة. وفي 2024 انتقلت إلى تنسيق قيادة حزبها. وفي 23 شتنبر 2026، قادت الانتخابات حزب الأصالة والمعاصرة إلى صدارة مجلس النواب بـ97 مقعدا.
ثم جاء 29 شتنبر. استقبلها الملك محمد السادس في القصر الملكي بالرباط، وعينها رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيلها.
وبذلك، لم تعد فاطمة الزهراء المنصوري مجرد أول امرأة حكمت مراكش، ولا الوزيرة التي أدارت ملف التعمير والإسكان، ولا منسقة الحزب المتصدر للانتخابات.
أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب، وبدأ معها فصل جديد لم يعد السؤال فيه كيف وصلت المنصوري إلى هذا الموقع، بل كيف ستدير المسؤولية الأكبر في مسارها السياسي.











