العيون الآن.
يوسف بوصولة
لم يمر سوى أسابيع قليلة على تعيين السفير الفنزويلي الجديد لدى الجزائر عماد مصعب، واستقباله رسميا من طرف الرئيس عبد المجيد تبون في 7 دجنبر 2025، حتى وجدت الجزائر نفسها أمام تحول دولي مباغت قلب معادلاتها الدبلوماسية رأسا على عقب، عقب إعلان الولايات المتحدة الأمريكية إطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وبدء ترتيبات سياسية جديدة في كاراكاس.
هذا التطور السريع أنهى فعليا أحد أهم محاور التقارب السياسي بين الجزائر وفنزويلا، وأدخل العلاقات الثنائية مرحلة غموض عميق، بالنظر إلى ما كانت تمثله كاراكاس من ثقل سياسي وطاقي داخل شبكة تحالفات الجزائر المناهضة للسياسات الأمريكية، سواء في أمريكا اللاتينية أو في المحافل الدولية.
بسقوط نظام نيكولاس مادورو تفقد الجزائر حليفا كان يشكل لها امتدادا دبلوماسيا خارج الفضاءين الإفريقي والمتوسطي، وواجهة لتسويق مواقفها في قضايا دولية حساسة، من بينها نزاع الصحراء والقضية الفلسطينية، ضمن خطاب مشترك يقوم على شعارات “مناهضة الهيمنة” و”الدفاع عن تقرير المصير”.
غير أن هذا الخطاب وفق مراقبين، ظل يصطدم مرارا بسلوك جزائري براغماتي عند المحطات الحاسمة، آخرها دعم الجزائر لمشروع القرار الأمريكي بشأن نشر قوة دولية في غزة في نونبر 2025، وهو ما أضعف مصداقية هذا الاصطفاف أمام الرأي العام الدولي.
ومع غياب فنزويلا عن هذا المعسكر، تتقلص قدرة الجزائر على المناورة داخل التوازنات الجيوسياسية خارج محيطها التقليدي، في وقت تعرف فيه خريطة التحالفات الدولية إعادة تشكل سريعة.
على المستوى الطاقي لا يقل تأثير سقوط النظام الفنزويلي خطورة. فالجزائر وفنزويلا نسجتا خلال السنوات الماضية تنسيقا وثيقا داخل منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك”، قائما على مواقف متشددة في ما يخص الإنتاج والتسعير، واستخدام الورقة الطاقية كأداة ضغط في مواجهة الأسواق الدولية.
غياب كاراكاس كقوة نفطية كبرى وصوت داعم لهذا التوجه، يضع الجزائر في عزلة نسبية داخل المنظمة، ويحد من قدرتها على التأثير في القرارات الجماعية، خصوصا في ظل صعود مقاربات أكثر براغماتية تقودها دول تبحث عن استقرار الأسواق بدل توظيفها سياسيا.
التحول السياسي في فنزويلا يفتح في المقابل شهية الشركات الأمريكية الكبرى للعودة بقوة إلى واحدة من أغنى دول العالم من حيث احتياطات النفط والغاز، ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الاستثمارات الأمريكية في الجزائر.
فمع انفتاح الجزائر خلال السنتين الأخيرتين على شركات مثل “إيكسون موبيل” و”شيفرون”، في سياق محاولة استمالة واشنطن سياسيا، قد تجد هذه الشركات نفسها أمام أولوية فنزويلية أكثر إغراءً من حيث الحجم وسهولة التسويق، رغم كلفة الإنتاج المرتفعة.
ويحذر متابعون من أن هذا التحول قد يؤدي إلى تقليص، أو على الأقل إعادة تقييم، الاستثمارات الأمريكية في الجزائر، بما يضع الرهان الجزائري على الورقة الطاقية الأمريكية أمام اختبار صعب، في وقت تشتد فيه المنافسة الدولية على جذب الرساميل والاستثمارات الكبرى.
سقوط نظام نيكولاس مادورو لا يختزل في تغيير سياسي داخلي بفنزويلا، بل يشكل زلزالا جيوسياسيا ارتداديا، أحد أبرز المتأثرين به هو الجزائر، التي تخسر دفعة واحدة حليفا سياسيا، وسندا طاقيا، وورقة ضغط داخل توازنات دولية كانت تراهن عليها لتكريس حضورها خارج حدودها الإقليمية.











