العيون الآن.
يوسف بوصولة
عاد الجدل حول تحديد بداية شهر رمضان في فرنسا إلى الواجهة بعد إعلان جهات دينية مختلفة تواريخ متباينة لبدء الصيام لعام 1447هـ، ما أحدث ارتباكا في أوساط المسلمين. وفي بيان توضيحي، عرض المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية Conseil Français du Culte Musulman (CFCM) أسباب اختياره يوم 19 فبراير 2026 كأول أيام رمضان، في مقابل إعلان أطراف أخرى يوم 18 فبراير موعدا لبدء الصيام.
وأوضح المجلس أن قراره استند إلى منهج الحساب الفلكي الذي اعتمده رسميا منذ 9 ماي 2013، وهو القرار الذي تم تبنيه آنذاك بالإجماع من مكوناته، من بينها Grande Mosquée de Paris وعدد من الاتحادات والجمعيات الإسلامية. ويهدف هذا الخيار، وفق البيان إلى ضمان الاستقرار والقدرة على الإعلان المبكر عن المواعيد الدينية بما يسمح للمسلمين في فرنسا في سياق علماني لا تُعتمد فيه الأعياد الإسلامية كعطل رسمية بتنظيم شؤونهم المهنية والعائلية مسبقا.
وبحسب المعطيات الواردة في البيان، فقد تم الإعلان عن تاريخ 19 فبراير منذ 2 فبراير 2026، بعد التشاور مع مجالس جهوية وأئمة وهيئات محلية، كما أن بعض الجهات التي أعلنت لاحقا تاريخا مغايرا كانت قد أبلغت المجلس في وقت سابق بميلها إلى اعتماد التاريخ نفسه. غير أن اجتماع “ليلة الشك” المنظم في 17 فبراير أسفر عن إعلان 18 فبراير بداية للصيام، ما أعاد الخلاف إلى الواجهة.
في شقه التقني استند CFCM إلى معطيات فلكية تشير إلى أن لحظة الاقتران حدثت يوم 17 فبراير 2026 عند الساعة 12:01 بالتوقيت العالمي (13:01 بتوقيت باريس)، وأن أول إمكانية لرؤية الهلال بالتلسكوب كانت متوقعة في 18 فبراير عند الساعة 3:42 بالتوقيت العالمي، في أقصى غرب القارة الأمريكية. ووفق المعايير المعتمدة من طرف المجلس والتي تستند إلى قرارات مؤتمر إسلامي حول الحساب الفلكي سنة 1978، مع شروط إضافية أقرت سنة 2016 فإن بداية الشهر تحل في 19 فبراير.
وتنص هذه المعايير على شرطين أساسيين: أن تكون إمكانية الرؤية في نطاق قاري وليس في عرض المحيط، وأن تتحقق قبل منتصف الليل بالتوقيت العالمي. ويرى المجلس أن احترام هذين الشرطين يضمن تقاربا بين الحساب الفلكي والرؤية البصرية، ويحد من التباينات الزمنية الناتجة عن فروق التوقيت بين الدول.
في المقابل اختارت هيئات أخرى اعتماد تاريخ 18 فبراير، في مقاربة أقرب إلى إعلانات بعض الدول الإسلامية، من بينها السعودية التي أعلنت بدء الصيام في اليوم ذاته. غير أن بيان CFCM أشار إلى أن أول إمكانية فلكية للرؤية عالميا كانت لاحقة لبداية الصيام المعلنة في بعض تلك الدول، ما أعاد النقاش إلى العلاقة بين الرؤية الشرعية والحساب العلمي.
المجلس اعتبر أن ما جرى أعاد إلى الأذهان حادثة مماثلة سنة 2013، حين تم تغيير موعد بداية رمضان في اللحظات الأخيرة، وما ترتب عنه من ارتباك في صفوف الجالية المسلمة. وأكد في بيانه أنه سيواصل الدعوة إلى التنسيق والمؤسساتية حفاظا على وحدة المسلمين في فرنسا، مشددا على أن هدفه يبقى “الاستقرار والتماسك وخدمة المصلحة العامة”.
يعيد هذا الخلاف تسليط الضوء على سؤال أوسع يتعلق بمرجعية تحديد التقويم الهجري في السياق الفرنسي: هل يعتمد الحساب الفلكي كخيار مؤسساتي محلي يراعي خصوصية البيئة القانونية والاجتماعية، أم تغلب إعلانات بعض الدول ذات الأغلبية المسلمة باعتبارها مرجعا تقليديا للرؤية؟
في المحصلة يتجاوز الجدل حدود تحديد يوم واحد في التقويم، ليطرح مسألة تنظيم الشأن الديني الإسلامي في فرنسا بين منطق التمثيلية المؤسسية ومنطق المرجعيات العابرة للحدود، في ظل سعي مختلف الأطراف إلى الحفاظ على وحدة المسلمين وتفادي الانقسام في مناسبة دينية جامعة.











