العيون الآن
يوسف بوصولة – العيون
في تحرك جديد يتزامن مع اقتراب موعد الحسم في مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء المغربية داخل مجلس الأمن الدولي، أعلنت جبهة البوليساريو الشروع في تحركات قانونية تستهدف الرحلات الجوية التي تؤمنها شركة “ريان إير” الإيرلندية بين إسبانيا ومدينة الداخلة، في محاولة لمواجهة التوسع المتواصل للربط الجوي الدولي مع الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية.
يأتي هذا التصعيد بينما تتجه الأنظار إلى نيويورك، حيث تجري المشاورات حول مشروع قرار جديد يرتقب أن يعزز المرجعية السياسية التي أرساها القرار الأممي رقم 2797، القائم على جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساسا للمفاوضات، مع بحث مستقبل مهام بعثة الأمم المتحدة “المينورسو”.
يطرح تزامن التحركين تساؤلات بشأن توجه البوليساريو نحو تصعيد معاركها القانونية والإعلامية بالتوازي مع المسار الأممي، خصوصا أن استهداف الرحلات الدولية إلى الداخلة لا يتعلق بنشاط تجاري معزول، بل بقطاع يشكل إحدى ركائز الدينامية السياحية والاستثمارية التي تعرفها المدينة.
وأعلنت الجبهة الاثنين 26 أكتوبر خلال ندوة صحافية عقدت أمام مقر مجلس النواب الإسباني بمدريد، اتخاذ خطوات قانونية للطعن في الترخيص الممنوح لشركة “ريان إير” لتسيير رحلات جوية نحو الداخلة، بمشاركة أبي بشرايا البشير، المكلف بملف الموارد الطبيعية والشؤون القانونية لدى قيادة البوليساريو إلى جانب فريق من المحامين الإسبان والصحراويين.
وبحسب ما أوردته صحيفة “بوبليكو” الإسبانية فإن التحرك جاء بمناسبة تقديم تقرير بعنوان “سياحة الاحتلال” أعدته مؤسسة “أماوتا كوب” ويتناول النشاط السياحي للشركات الأوروبية في الداخلة، مع توجيه انتقادات خاصة للشركة الإيرلندية وعلاقاتها بالمؤسسات المغربية المكلفة بالترويج السياحي.
تستند البوليساريو في موقفها إلى اعتبار أن الرحلات التجارية نحو الداخلة تحتاج إلى موافقة من تعتبرهم الجبهة ممثلين لسكان الصحراء، مستحضرة الاجتهادات القضائية الأوروبية المتعلقة بالوضع القانوني للإقليم.
يكشف اختيار “ريان إير” تحديدا عن أهمية موقع الشركة في استراتيجية المغرب لتوسيع الربط الجوي مع الداخلة، بعدما وقع المكتب الوطني المغربي للسياحة في 13 نونبر 2024، اتفاقية استراتيجية مع الناقل الإيرلندي لتطوير خطوط مباشرة نحو الأسواق الأوروبية.
وجرى توقيع الاتفاق بحضور وزيرة السياحة فاطمة الزهراء عمور وإيدي ويلسون الرئيس التنفيذي للشركة، مع برمجة أربعة خطوط دولية على امتداد أربعة مواسم سياحية، انطلقت مرحلتها الأولى بربط الداخلة بمدريد ولانزاروت ابتداء من يناير 2025.
لم يكن هذا التوسع مجرد إضافة تجارية إلى شبكة الرحلات الجوية، إذ أعلن المكتب الوطني المغربي للسياحة حينها أن الخطين الجديدين سيساهمان في مضاعفة الطاقة الاستيعابية الدولية لمطار الداخلة إلى نحو 47 ألف مقعد، مع تحول السوق الإسبانية إلى أحد أبرز مصادر السياح الوافدين على المدينة.
كما اعتبرت الشركة أن الداخلة أصبحت المطار الثالث عشر ضمن شبكتها المغربية، في إطار توسع يشمل عددا متزايدا من الوجهات الداخلية والدولية بالمملكة.
يثير تركيز البوليساريو على الشركة الإيرلندية سؤالا بشأن دوافع اختيارها، خصوصا أن الداخلة تستقبل رحلات دولية تشغلها شركات أخرى منذ سنوات. فالمعطيات المنشورة بشأن شبكة مطار الداخلة خلال أكتوبر الجاري تظهر أن الخط الرابط بين المدينة ومدريد تؤمنه “ريان إير”، بينما تتولى شركة “بينتر كنارياس” الإسبانية الربط مع لاس بالماس بجزر الكناري.
وفي الاتجاه الفرنسي تؤمن “ترانسافيا” رحلات مباشرة بين الداخلة وباريس أورلي ومرسيليا، إلى جانب الخط الجوي الذي تشغله الخطوط الملكية المغربية بين الداخلة وباريس.
بذلك فإن الحضور الدولي لمطار الداخلة لا يعتمد على شركة واحدة كما أن وقف نشاط “ريان إير” في حال تحقق، لا يعني إنهاء الربط الجوي الدولي للمدينة أو توقف تدفق السياح الأوروبيين إليها.
لكن اختيار الشركة الإيرلندية يكتسب دلالة مرتبطة بطبيعة الاتفاق الذي يجمعها بالمكتب الوطني المغربي للسياحة، وبكون الرحلات تنطلق من إسبانيا، ما يسمح للبوليساريو بتوجيه تحركها نحو السلطات الإسبانية باعتبارها الجهة المعنية بالتراخيص محل النزاع.
وتبرز أهمية هذا الاختيار أيضاً في أن “ريان إير” تعد من أبرز شركات الطيران منخفض التكلفة في أوروبا، وهو ما يمنح أي تحرك يستهدفها حضورا إعلاميا يتجاوز حجم الخطوط الجوية موضوع الخلاف.
تأتي هذه الخطوة في لحظة دبلوماسية دقيقة بعدما جعل مجلس الأمن، بموجب القرار 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، المقترح المغربي للحكم الذاتي أساسا للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية نهائية ومتوافق عليها.
كما فتحت المسودة الأمريكية الجديدة وفق المضامين المتداولة بشأنها، الباب أمام نقاش أكثر تقدما حول الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بالتوازي مع إمكانية إعادة تقييم مهام المينورسو، وهو ما أثار اعتراضات شديدة من جبهة البوليساريو.
وفي هذا السياق يمكن قراءة التحرك ضد “ريان إير” باعتباره محاولة لنقل جانب من المواجهة إلى المجال الاقتصادي والقانوني الأوروبي، في وقت تتركز فيه الجهود الدولية على تحديد الإطار السياسي للمفاوضات المقبلة.
غير أن الربط بين توقيت الإعلان والتحولات الجارية داخل مجلس الأمن يظل قراءة سياسية؛ إذ لم تقدم الجبهة ما يثبت أن التحرك القضائي اتخذ حصريا بهدف التأثير في مشروع القرار الأممي.
وفي المقابل يواصل المغرب توسيع حضور الداخلة ضمن شبكات النقل والسياحة والاستثمار، بما يعزز ارتباط المدينة بالأسواق الأوروبية ويمنح المشاريع الاقتصادية المحلية فرصا إضافية للنمو.
وتشكل السياحة خصوصا الرياضات البحرية والإقامة السياحية والرحلات المباشرة، أحد المجالات التي تراهن عليها الداخلة لترسيخ موقعها وجهة دولية، بالتوازي مع مشاريع البنية التحتية واللوجستيك التي تشهدها جهة الداخلة وادي الذهب.
هنا تتجاوز المسألة الخلاف حول رخصة تشغيل خط جوي، لتلامس التنافس بشأن مستقبل الاندماج الاقتصادي للأقاليم الجنوبية في الأسواق الدولية.
وبينما تسعى البوليساريو إلى استخدام المسار القضائي الإسباني لمواجهة هذا التوسع، فإن النتائج العملية للتحرك تظل غير محسومة، في ظل استمرار تشغيل رحلات دولية متعددة إلى الداخلة، وعدم الإعلان عن قرار قضائي جديد يقضي بإيقافها.
أما على المستوى السياسي فإن التحرك يبرز تعدد الجبهات التي باتت تتحرك عليها قضية الصحراء، من مجلس الأمن إلى المؤسسات القضائية الأوروبية، وصولا إلى قطاع السياحة والنقل الجوي، في وقت يسعى فيه المغرب إلى تحويل الدينامية الدبلوماسية والتنموية التي تعرفها أقاليمه الجنوبية إلى شراكات دولية أكثر اتساعا.











