بعد نصف قرن في المخيمات.. تحذير أممي يضع كلفة الجمود السياسي في تندوف تحت المجهر

محرر مقالات25 سبتمبر 2026
بعد نصف قرن في المخيمات.. تحذير أممي يضع كلفة الجمود السياسي في تندوف تحت المجهر

العيون الآن.

يوسف بوصولة – العيون

 

وجه المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح الجمعة 25 شتنبر، تحذيرا مباشرا إلى مجلس الأمن من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في مخيمات تندوف، مؤكدا أن الاحتياجات الأساسية للسكان تعاني نقصا حادا في التمويل، وأن إدارة حالة النزوح بعد أكثر من نصف قرن لم تعد وضعا يمكن القبول باستمراره.

 

وقال صالح أمام أعضاء مجلس الأمن إن أجيالا من الصحراويين نشأت في تندوف والمخيمات المحيطة بها وسط محدودية الآفاق وعدم اليقين، قبل أن يضيف أن الظروف اليوم “تتدهور” وأن الاحتياجات الإنسانية ما تزال “تعاني نقصا كبيرا في التمويل”.

 

لكن العبارة الأشد دلالة جاءت حين شدد على أن إدارة النزوح إلى أجل غير مسمى لا يمكن أن تظل معيارا للطموح الدولي واصفا الوضع القائم بأنه غير قابل للاستمرار.

 

وتكشف معطيات مفوضية اللاجئين أن الوضع داخل المخيمات يتجاوز مسألة نقص التمويل العابر.

 

ففي تقريرها عن سنة 2025، سجلت المفوضية استمرار الهشاشة البنيوية داخل مخيمات تندوف، مع بقاء المياه دون المعايير المطلوبة، وتغطية صحية ونظافة جزئية، وتفاقم مؤشرات سوء التغذية وفقر الدم، إلى جانب تأثير خفض التمويل على المساعدات الطبية والخدمات الأساسية.

 

تؤكد المفوضية كذلك أن السكان ما يزالون يعتمدون بدرجة كبيرة على المساعدات الإنسانية، في بيئة صحراوية قاسية وفرص محدودة لكسب العيش، بينما لا تستطيع الوكالات الإنسانية بسبب نقص التمويل، ضمان الحد الأدنى من المعايير في عدد من القطاعات.

 

هكذا بعد أكثر من خمسين عاما على نشوء المخيمات لا يزال الغذاء والماء والصحة والتعليم وسبل العيش مرتبطا إلى حد بعيد بقدرة المجتمع الدولي على الاستمرار في التمويل.

 

هنا يتحول السؤال من “كم تحتاج المخيمات من المساعدات؟” إلى سؤال أعمق: إلى متى يمكن أن يبقى جيل وراء جيل مرتبطا بمنظومة إنسانية مؤقتة تحولت عمليا إلى واقع دائم؟

 

يأتي تحذير المفوض الأممي في توقيت سياسي بالغ الدلالة. ففي أكتوبر 2025 اعتمد مجلس الأمن القرار 2797، الذي لم يكتف بتمديد ولاية بعثة “المينورسو”، بل دعا الأطراف إلى الانخراط في مفاوضات دون شروط مسبقة على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، بهدف التوصل إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه.

 

كما نص القرار على أن حكما ذاتيا حقيقيا يمكن أن يمثل أحد أكثر المخرجات قابلية للتحقق، وشجع الأطراف على تقديم أفكار تساعد على الوصول إلى تسوية نهائية. وبذلك لم يعد الوضع السياسي في 2026 مشابها تماما لما كان عليه قبل سنوات.

 

هناك إطار تفاوضي حدده مجلس الأمن بوضوح أكبر وهناك دعوة مباشرة إلى الانتقال من إدارة النزاع إلى التفاوض على حل. لكن في المقابل ما تزال المواقف بين الأطراف متباعدة.

 

ففي الأسابيع الأخيرة أعادت قيادة البوليساريو تأكيد تمسكها بأن يكون الحل قائما على تقرير المصير والاستقلال، ورفضت ما تصفه بـ”الحلول الزائفة” التي لا تستجيب لهذا التصور.

 

وفي 4 شتنبر الجاري أعلن المكتب السياسي للجبهة أن أي تسوية يجب أن تضمن في نظره خيار الاستقلال، قبل أن يعيد إبراهيم غالي الموقف نفسه في رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة في 18 شتنبر، رغم تأكيده استعداد الجبهة للدخول في مفاوضات مباشرة تحت رعاية الأمم المتحدة.

 

تكشف هذه المعادلة جوهر المأزق الحالي. فالجبهة تقول إنها مستعدة للتفاوض لكنها في الوقت نفسه تتمسك مسبقا بمخرج سياسي يختلف عن الأساس الذي حدده القرار 2797 للمفاوضات.

 

وهنا يصبح التباعد بين موقف مجلس الأمن وموقف قيادة البوليساريو أحد العوامل التي تبقي العملية السياسية في دائرة الجمود.

 

لكن بينما تبقى المواقف السياسية على حالها، لا تتوقف كلفة الانتظار داخل المخيمات. الأمم المتحدة لا تتحدث عن أزمة نظرية، بل عن مياه لا تصل إلى المعايير المطلوبة، وبرامج صحية وغذائية تعاني الضغط، وأطفال يواجهون سوء التغذية وفقر الدم، وشباب تضيق أمامهم فرص العمل والاستقلال الاقتصادي.

 

والخطر الأكبر أن يتحول هذا الوضع إلى حالة طبيعية في نظر العالم. أن يولد طفل في المخيم، ويدرس داخله، ويكبر داخله، ثم يصبح أبا أو أما لأطفال يعيشون الواقع نفسه، بينما يستمر النزاع السياسي في الدوران حول المواقف ذاتها.

 

وهذه بالتحديد هي الرسالة التي حملها تحذير برهم صالح إلى مجلس الأمن: لا يمكن أن تتحول إدارة النزوح إلى سياسة دائمة.

 

طوال العقود الماضية تدخلت المفوضية وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمات دولية أخرى لضمان استمرار الحد الأدنى من الخدمات داخل المخيمات. لكن المساعدات تستطيع إبقاء الإنسان على قيد الحياة؛ لا تستطيع وحدها إخراجه من وضع اللجوء الممتد.

 

منذ أكثر من خمسين عاما تعيش أجيال داخل المخيمات على وقع انتظار تسوية لم تصل بعد. وخلال تلك الفترة تغير العالم، وتغيرت مواقف دول عديدة، وتغيرت لغة مجلس الأمن نفسه، بينما بقيت حياة عشرات الآلاف مرتبطة بالمساعدات الدولية.

 

واليوم يقول أعلى مسؤول أممي معني باللاجئين أمام مجلس الأمن إن هذا الوضع لم يعد مستداماً.

 

وهنا تكتسب كلماته بعدا يتجاوز النداء الإنساني. فهي تضع الأطراف أمام سؤال سياسي مباشر: إذا كان استمرار النزوح غير مقبول، وإذا كان مجلس الأمن قد دعا إلى مفاوضات دون شروط مسبقة على أساس الحكم الذاتي، فما الذي يبرر بقاء السكان عالقين في الوضع نفسه؟

 

لا يمكن اختزال أسباب الأزمة الإنسانية في قرار سياسي واحد؛ فالعزلة الجغرافية، ونقص التمويل، والظروف المناخية القاسية، وضعف فرص العمل، كلها عوامل توثقها الأمم المتحدة.

 

لكن استمرار غياب التسوية في ظل تعنت قيادات البوليساريو وخلفها الجزائر يبقى العامل الذي يجعل هذه الظروف مؤقتة اسما ودائمة واقعا.

 

ومن هنا، فإن مسؤولية المرحلة المقبلة لا تتعلق فقط بجمع مزيد من الأموال لإطعام سكان المخيمات، بل بإعطاء معنى عملي للدعوة التي وجهها مجلس الأمن إلى الأطراف للعودة إلى التفاوض.

 

فالقرار 2797 وضع أساسا جديدا للمناقشات، والبوليساريو ما تزال متمسكة بخيار الاستقلال، فيما تستمر المخيمات في دفع ثمن المسافة بين الموقفين.

 

وبعد أكثر من نصف قرن، يصبح السؤال الإنساني أكثر إلحاحا من أي وقت مضى:

 

كم جيلا آخر يجب أن يولد في تندوف قبل أن تنتقل الأطراف من إدارة النزوح إلى إنهائه؟

الاخبار العاجلة