العيون الآن.
المجاهد اباعلي
تتقاطع في الأقاليم الجنوبية معادلة معقدة قوامها خطابات رسمية وأشرطة وثائقية لا تتوقف عن ترديد أسطوانة “التنمية الجبارة” و”النموذج التنموي الخاص”، مقابل واقع معيش يروي قصة أخرى تماماً؛ قصة مفارقة صارخة بين أرقام الميزانيات الضخمة المعروضة على الواجهات، وجحيم البطالة والهشاشة الذي يكتوي به شباب المنطقة يوماً بعد يوم. فحين تتجاوز التجربة الزمنية عقوداً طويلة من الوعود والخطط، يصبح لزاماً التوقف بقراءة رصينة تفكك بنية هذا الاحتقان، وتضع الإصبع على الجرح الحقيقي المتمثل في الفجوة بين إعلان الأرقام وعدالة الاستحقاق البشري.
أولاً: وهم التنمية المادية.
بمعزل عن الإنسان
من الناحية المنهجية، تعاملت الدولة تاريخياً مع هذه الأقاليم كورشة مفتوحة للتدبير الاستراتيجي والجيوسياسي. ورغم أن الورش العمرانية الكبرى والبنيات التحتية والموانئ وشبكات الطرق حقيقة ملموسة لا يمكن إنكارها، إلا أن مفهوم التنمية ظل مقيداً في قوالب مادية بحتة.
فعندما تُختزل التنمية في الإسمنت والأسفلت بمعزل عن بنياتها البشرية والاجتماعية، فإنها تتحول إلى مجرد “ديكوراتية مؤسساتية” تُرفع في وجه المنتظم الدولي ووسائل الإعلام، بينما يبقى الإنسان الصحراوي -المعني الأول والأخير بهذه الوعود- معلقاً في فراغ التهميش السوسيو-اقتصادي. هذا الخلل الهيكلي يذكّرنا بمدارس التخطيط الكلاسيكية التي سقطت في فخ الاعتقاد بأن تكديس رؤوس الأموال كفيل وحده بخلق مجتمعات متوازنة، متجاهلةً البعد الإنساني والثقافي للتنمية كعملية تحرير للقدرات الفردية والجماعية.
ثانياً: انفصال الخطاب الرسمي عن الواقع.
ولعل أسطع مثال على هذا الانفصال التام عن الواقع، هو تلك الصورة التي رسمتها السلطة التنفيذية في محطاتها السياسية؛ إذ يتذكر الجميع كيف أطل رئيس الحكومة السابق من تحت قبة البرلمان في أواخر نوفمبر 2020، ليروج لمجتمع الرفاهية والفرص المتكافئة بالأقاليم الجنوبية، في تصريح كشف عن عدم إلمامٍ بعمق الواقع المحلي أو عن نوع من التضليل الذاتي الممنهج.
لقد جاءت تلك المداخلة وكأن صاحبها كذب الكذبة وصدقها؛ يقرأ أرقاماً رسمية وردية، بينما كانت شوارع الأقاليم الجنوبية تعج بخريجي المعاهد والجامعات المعطلين. إن ترديد الرسميين لمثل هذه التصريحات لا ينطوي فقط على مغالطة للرأي العام، بل يكرس حالة من الهروب إلى الأمام واستغباء المعاناة اليومية لأبناء المنطقة.
ثالثاً: صناعة “وهم الرفاه الجهوي” إعلامياً.
وعلى الصعيد الإعلامي والسياساتي، لعب الخطاب الموجه على مر السنين دوراً محوريًا في صناعة “وهم الرفاه الجهوي”. فما إن يُدشن مشروع حتى تُسلط عليه الأضواء بشكل مكثف ليوحي بأن المنطقة تحولت إلى قطب استثماري متكامل.
لكن هذا التضخيم الإعلامي يتجاهل عمداً الأسئلة الجوهرية، لعل أبرزها: لمن تذهب العوائد الفعلية لهذه المشاريع الكبرى؟ وهل تشكل هذه الأقطاب بيئة حاضنة لليد العاملة المحلية، أم أنها مجرد مناطق استنزاف تستقدم أطرها وطاقاتها البشرية من خارج الجهة؟ إن هذا التباين يخلق شعوراً عميقاً بالغربة والاغتراب داخل الوطن، وكأن أبناء المنطقة تحولوا إلى شهود زور على تنمية صُممت لأجلهم ولكنها تُنجز وتُجنى ثمارها بمعزل عنهم.
رابعاً: البطالة وتداعياتها السوسيو-اقتصادية.
غير أن الفضيحة الكبرى التي تسقط ورقة التوت عن كل البرامج التنموية المزعومة تظل هي نسب البطالة المرتفعة، لا سيما في صفوف حاملي الشهادات العليا والخريجين الشباب؛ حيث تُشير الإحصاءات والبيانات الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط إلى استمرار تصدر الجهات الجنوبية لمعدلات البطالة ، بتجاوزها عتبة 20% ووصولها أحياناً لنحو 25% ، وهو ما يعادل ضعف المعدل الوطني تقريباً ويضع ألف علامة استفهام حول جدوى الأقطاب الاقتصادية المزعومة.
إنه لمن المفارقة المؤلمة أن تسجل مدن غنية بمواردها الطبيعية -كالصيد البحري والفوسفاط والطاقات المتجددة- هذه المعدلات المفزعة التي تدفع بخيرة شبابها إما إلى الاحتجاج الاجتماعي المستمر، أو إلى مخاطر الهجرة السرية بحثاً عن أفق إنساني أبسط، أو الاستسلام لفخ الإحباط واليأس. فالسياسات المتبعة في التشغيل غالباً ما تتسم بالارتجالية والموسمية، مثل عقود الإنعاش المؤقتة التي لا تقدم سوى مسكنات آنية تفاقم الأزمة ولا تحلها، في غياب تام لقطاع نسيجي اقتصادي محلي حقيقي يمتص الطاقات الشابة ويدمجها في عجلة الإنتاج الفعلي.
خلاصة القول:
إن الحديث عن التنمية اليوم لم يعد يحتمل مزيداً من الترقيع الخطابي ولا استهلاك الشعارات الخشبية. فالتنمية الحقيقية لا تقاس بطول الطرق المعبدة، بل تقاس بمستوى جودة الحياة، وفرص الشغل القارة، والعدالة المجالية التي تضع المواطن في صلب الاهتمام لا كرقْم عابر في التقارير الرسمية.
وإن أي استقرار حقيقي ودائم في الأقاليم الجنوبية يظل رهيناً بمراجعة جذرية تفكك منظومة الإقصاء، وتعيد الاعتبار للإنسان الصحراوي كفاعل أساسي -لا مجرد مستهلك سلبي- في صناعة قراره وتدبير ثروات أرضه.











