العيون الآن
حمزة وتاسو – العيون.
تكشف شهادات العائدين من مخيمات تندوف إلى المغرب عن مسارات إنسانية متباينة، تجمعها معاناة الانفصال الأسري وانسداد الأفق، وتلتقي عند استعادة الاستقرار والاندماج في المجتمع، وبين تجربة الإمام أكماش الذي انتقل من المخيمات إلى الترافع السياسي والحقوقي في المحافل الأممية، ومحمد بداهي الذي غادر سجن الرشيد عام 1995 ليشق طريقه المهني داخل مؤسسات الدولة، تتجلى أبعاد إنسانية وسياسية لقضية العودة، في سياق الدعوة الملكية إلى لم الشمل بمناسبة عيد الوحدة.

ويستحضر مسار الإمام أكماش تجربة جيل نشأ في مخيمات تندوف، قبل أن يبحث عن فرص للتكوين والعمل خارجها، فبعد دراسته في إسبانيا وتخصصه في صيانة المعلوميات وتشغيل نظم الشبكات، عاد إلى المخيمات لمزاولة عمله، غير أن ارتباطه بمصير عائلته ظل حاضرا في قراره بشأن مستقبله، وعلى امتداد تسعة عشر عاما بين 1991 و2010، تبلورت لديه قناعة بالعودة إلى المغرب، في ظل فقدان أفراد من أسرته وغياب أفق واضح لإنهاء معاناة المحتجزين.
وانتقل أكماش بعد عودته إلى أرض الوطن، إلى مسار من العمل السياسي والحقوقي من خلال عضويته في حركة صحراويون من أجل السلام وأصبح يشارك في الترافع عن تسوية سياسية لقضية الصحراء المغربية داخل المحافل الدولية، من بينها اللجنة الرابعة للأمم المتحدة بنيويورك، مؤيدا للمسار الأممي ومضامين القرار 2797، وتعكس هذه التجربة تحولا من معايشة واقع المخيمات إلى المشاركة في النقاش بشأن مستقبل النزاع، مستندا إلى تجربته الشخصية وما يطرحه من أسئلة حول فرص الحل السياسي ولم شمل العائلات.
وعلى مسار مواز تختزل تجربة محمد بداهي وجها آخر من المعاناة، ارتبط بالاعتقال والتعذيب داخل سجن الرشيد بمخيمات تندوف، فقد أمضى سنوات في ظروف قاسية بحسب شهادته، قبل أن يعود إلى المغرب عام 1995، مستحضرا نداء ”إن الوطن غفور رحيم” باعتباره لحظة فاصلة في حياته، وصفها بأنها بداية عمر جديد.

واستعاد بداهي بعد عودته مساره داخل المجتمع المغربي، ليعمل إطارا بوزارة المالية، في انتقال من تجربة الاعتقال والحرمان إلى الاستقرار المهني والمساهمة في تدبير الشأن العام، وتبرز هذه المحطة أهمية إعادة الاندماج بوصفها بعدا أساسيا في تجارب العودة، إذ لا يتوقف الأمر عند مغادرة المخيمات، بل يمتد إلى استعادة الروابط الاجتماعية وبناء حياة مستقرة والمشاركة في التنمية.
وفي قراءة لهذه التجارب يستحضر الإعلامي والمهتم بقضية الصحراء المغربية عمر خنيبيلا المضامين الإنسانية للخطاب الملكي ليوم 31 أكتوبر 2025، ولا سيما وصف المحتجزين في مخيمات تندوف بـ”إخواننا في المخيمات”، والدعوة إلى عودتهم إلى وطنهم الأم للعيش بين أهلهم وذويهم، والمساهمة في مسار التنمية الذي تعرفه الأقاليم الجنوبية.

وتتجاوز هذه الدعوة بعدها الرمزي لتطرح مسألة لم الشمل باعتبارها أحد الأبعاد الإنسانية المرتبطة بتسوية النزاع، فاستمرار تشتت الأسر يترك آثارا اجتماعية ونفسية تتجاوز الأفراد لتطال أجيالا نشأت في ظل الانفصال، فيما تظل العودة مدخلا لاستعادة الروابط العائلية وإعادة بناء المسارات الشخصية والمهنية، كما يضع هذا البعد الإنساني ملف المحتجزين في صلب النقاش حول الحل السياسي، إلى جانب الاعتبارات الدبلوماسية والقانونية والتنموية.
وتكتسب هذه الشهادات أهمية إضافية في سياق عيد الوحدة، الذي يتيح استحضار العلاقة بين الوحدة الترابية ولم الشمل الاجتماعي، فبين تجربة أكماش في الترافع السياسي والحقوقي ومسار بداهي في استعادة حياته المهنية، تتعدد صور العودة لكنها تلتقي عند الانتقال من واقع الانفصال والمعاناة إلى البحث عن الاستقرار والانتماء.
وفي المحصلة تبرز قصص العائدين من تندوف أن معالجة آثار النزاع لا تقتصر على المسار السياسي، بل تشمل أيضا إعادة وصل الروابط الأسرية وتوفير شروط الاندماج وصون الكرامة الإنسانية، وبين من عادوا إلى المغرب ومن لا يزالون في المخيمات، يظل لم الشمل أحد الاختبارات الإنسانية لأي تسوية مستدامة، فيما تبقى العودة بالنسبة إلى أصحاب هذه التجارب، بداية جديدة تتجاوز استعادة المكان إلى استعادة الحياة.











