الملك يضع إسبانيا أمام مسؤولياتها.. نموذج التعاون في الهجرة أصبح متجاوزاً والمغرب يرفض الابتزاز

محرر مقالات10 أكتوبر 2026
الملك يضع إسبانيا أمام مسؤولياتها.. نموذج التعاون في الهجرة أصبح متجاوزاً والمغرب يرفض الابتزاز

العيون الآن 

يوسف بوصولة – العيون

 

أعاد الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، وضع العلاقات المغربية الإسبانية تحت مجهر التقييم السياسي، من خلال التأكيد على أهمية الشراكة القائمة بين البلدين، مقابل الدعوة إلى مراجعة نموذج التعاون في مجال الهجرة، بما يستجيب للتحولات الراهنة ويضمن احترام الالتزامات المتبادلة بعيدا عن الضغوط والتجاذبات السياسية والإعلامية.

 

وجاء هذا الموقف في سياق إقليمي اتسم خلال الأشهر الأخيرة بتطورات متسارعة في ملف الهجرة، خصوصا عقب أزمة العبور الجماعي نحو مدينة سبتة في 30 و31 يوليوز 2026، وما خلفته من تداعيات إنسانية وأمنية وقانونية، أعادت إلى الواجهة إشكالات تدبير الحدود، وإعادة المهاجرين، وحماية القاصرين غير المرافقين، وحدود المسؤولية المشتركة بين المغرب وإسبانيا.

 

استهل الملك محمد السادس نصره الله هذا الجزء من خطابه بالتأكيد على أن المملكة رسخت مكانتها الدولية باعتبارها شريكاً مسؤولا وموثوقا، يحرص على تنفيذ التزاماته وينتظر المعاملة ذاتها من شركائه. وهي صياغة تحمل في سياقها الدبلوماسي، تأكيدا على مبدأ التبادلية في العلاقات الدولية، باعتبار أن نجاح الشراكات لا يتوقف عند الالتزامات التي يتحملها طرف واحد، بل يستدعي تقاسما للمسؤوليات واحتراما متبادلا للتعهدات.

 

لم ينف الخطاب النتائج التي حققها التعاون المغربي مع شركائه في تدبير الهجرة، بل أقر بما أسفرت عنه المقاربة المغربية من حصيلة ملموسة، قبل الانتقال إلى تشخيص أكثر نقدية للنموذج القائم من خلال التأكيد على أنه أصبح متجاوزا، وأن الأزمات المتكررة كشفت محدودية قدرته على الاستجابة للتحديات الجديدة.

 

يكتسب هذا التوصيف أهمية خاصة بالنظر إلى أن التعاون في مجال الهجرة ظل أحد المرتكزات الأساسية للعلاقات المغربية الإسبانية، التي شهدت تحولا بارزا عقب اعتماد خارطة الطريق المشتركة في أبريل 2022، وما تلاها من استئناف وتوسيع آليات التنسيق السياسي والأمني والاقتصادي. كما تعزز هذا المسار خلال الاجتماع رفيع المستوى المنعقد في مدريد في دجنبر 2025، والذي توج بتوقيع أربعة عشر اتفاقا للتعاون في مجالات متعددة.

 

غير أن أزمة سبتة الأخيرة أظهرت أن تطور العلاقات الثنائية لم ينه جميع الإشكالات المرتبطة بتدبير الهجرة. فقد شهدت المدينة خلال نهاية يوليوز عبور أعداد غير مسبوقة من المهاجرين، وسط انتشار معلومات مضللة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وما رافق ذلك من وفيات وضغوط كبيرة على أجهزة المراقبة ومرافق الاستقبال.

 

أدت الأزمة إلى تبادل مواقف وتحفظات سياسية بين الرباط ومدريد، مع استمرار التنسيق الميداني لإعادة عدد كبير من المهاجرين واحتواء تداعيات الوضع. وفي هذا الصدد، كان رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز قد أكد، خلال مثوله أمام البرلمان الإسباني في شتنبر الماضي، عدم توفر أدلة تثبت تخطيط السلطات المغربية لعمليات العبور الجماعي، مشددا في الوقت نفسه على ضرورة تطوير آليات التعاون الثنائي لمنع تكرار الأزمة.

 

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الخطاب الملكي باعتباره دعوة إلى تجاوز منطق التدخل الظرفي عند وقوع الأزمات، والانتقال إلى نموذج تعاون أكثر قدرة على استباقها ومعالجة أسبابها القانونية والاقتصادية والاجتماعية، عوض الاقتصار على التنسيق الأمني وتدبير تدفقات المهاجرين.

 

وخصص الملك محمد السادس حيزا لافتا من خطابه للإشكالات القانونية والقضائية التي تواجه التعاون مع إسبانيا، ولا سيما المقتضيات التي تعرقل ترحيل الأطفال القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، معتبرا أن هذه الوضعية تفتح المجال أمام الشبكات الإجرامية لاستغلال الثغرات القائمة.

 

وتلامس هذه الإشارة أحد أكثر الملفات تعقيدا في العلاقات الثنائية، وهو ملف إعادة القاصرين غير المرافقين، الذي يخضع في إسبانيا لمقتضيات تشريعية وضمانات قضائية خاصة، فضلا عن الالتزامات الأوروبية والدولية المتعلقة بحماية حقوق الطفل.

 

وكانت المحكمة العليا الإسبانية قد قضت في يناير 2024 بعدم قانونية عمليات إعادة قاصرين مغاربة من سبتة سنة 2021، بسبب عدم احترام الإجراءات الفردية المنصوص عليها في قانون الأجانب، مؤكدة أن الاتفاق الثنائي المبرم بين المغرب وإسبانيا سنة 2007 لا يكفي وحده لتبرير إعادتهم دون مراعاة الضمانات القانونية ومصلحتهم الفضلى.

 

عاد هذا الإشكال إلى الواجهة عقب أحداث يوليوز 2026، حين طالبت السلطات المغربية بتسريع إعادة القاصرين إلى أسرهم، بينما أكدت الحكومة الإسبانية أن عمليات الإعادة يجب أن تراعي المساطر القانونية والتقييم الفردي لأوضاع الأطفال.

 

تكشف هذه المعطيات أن الخلاف لا يتعلق فقط بوجود إرادة سياسية للتعاون، بل يمتد إلى كيفية التوفيق بين مقتضيات الاتفاقات الثنائية، والقوانين الوطنية الإسبانية، والالتزامات الأوروبية المتعلقة باللجوء وحماية القاصرين. وهو ما يجعل تطوير الإطار القانوني والإجرائي أحد المسارات المحتملة لأي مراجعة مستقبلية للتعاون.

 

وحمل الخطاب الملكي رسالة سياسية واضحة حين أكد أن الشراكة اختيار سيادي والتزام إرادي، وأنها لن تكون مجالا للضغط أو التهديد أو الابتزاز، في إشارة إلى رفض إخضاع التعاون الدولي لحسابات سياسية أو إعلامية ظرفية.

 

تأتي هذه الرسالة في ظل الجدل الذي رافق أزمة سبتة داخل إسبانيا وبعض المؤسسات الأوروبية، حيث تباينت القراءات بشأن أسباب عمليات العبور والمسؤوليات المرتبطة بها. ففي حين وجهت أطراف سياسية انتقادات إلى التدبير المغربي للحدود، أكدت الحكومة الإسبانية عدم ثبوت اتهامات بتورط السلطات المغربية في تنظيم الأزمة، مع استمرار التحقيقات بشأن الظروف التي أحاطت بها.

 

لا يتضمن الخطاب الملكي إعلاناً عن إنهاء الشراكة مع إسبانيا أو تعليق آليات التعاون القائمة، كما أنه لا يسمي جهة بعينها باعتبارها مصدر الضغوط المشار إليها. غير أن تسلسل فقراته يسمح بقراءة الموقف في إطار التأكيد على أن استمرار التعاون وتطويره ينبغي أن يقوما على الثقة والاحترام المتبادل، لا على تحميل طرف واحد مسؤولية أزمات تتداخل فيها عوامل متعددة.

 

تكتسب هذه المقاربة بعدا أوسع بالنظر إلى المصالح الاستراتيجية التي تجمع البلدين. فإسبانيا تعد الشريك التجاري الأول للمغرب، وفق المعطيات الرسمية الإسبانية، فيما يمتد التعاون إلى الاستثمار والنقل والطاقة والأمن، فضلا عن الاستعدادات المشتركة لتنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب البرتغال.

 

وهو ترابط يجعل ملف الهجرة جزءا من علاقة متعددة الأبعاد، تتأثر فيها الملفات الأمنية والقانونية بالمناخ السياسي العام، دون أن تختزل وحدها مستقبل الشراكة.

 

ولعل أبرز ما حمله هذا الجزء من الخطاب الملكي هو الإعلان عن اعتزام المغرب تقديم وثيقة لشركائه تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية، تؤسس لتوجه جديد يقوم على التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.

 

يمثل هذا الإعلان انتقالا من تشخيص اختلالات نموذج التعاون القائم إلى طرح مبادرة مغربية لإعادة تأطيره. فالحديث عن التنمية والتنافسية والاستقرار إلى جانب الهجرة يوحي بتصور أوسع للشراكة، ينظر إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية باعتبارها عناصر أساسية في معالجة أسباب الهجرة وتحدياتها.

 

كما ينسجم هذا التوجه مع النقاش الأوروبي المتواصل بشأن تطوير الشراكات مع دول الجوار الجنوبي، من خلال الجمع بين مكافحة شبكات تهريب المهاجرين، وتحسين آليات العودة وإعادة القبول، وتوسيع فرص الهجرة النظامية والتعاون الاقتصادي.

 

ومع ذلك، فإن الخطاب لم يكشف بعد التفاصيل العملية للوثيقة المرتقبة، ولا طبيعة الالتزامات أو الآليات الجديدة التي قد تتضمنها، ما يجعل تقييم آثارها المحتملة على العلاقات المغربية الإسبانية مرتبطاً بمضمونها النهائي وموقف الشركاء المعنيين منها.

 

وبذلك لا تبدو الرسالة الملكية موجهة إلى إسبانيا وحدها، رغم حضورها الصريح في الخطاب، بل تتجاوزها إلى إعادة طرح طبيعة التعاون بين المغرب وشركائه في تدبير الهجرة، وحدود المسؤوليات المتبادلة، والأسس التي ينبغي أن تحكم الشراكات المستقبلية.

 

في المحصلة يجمع هذا الجزء من الخطاب الملكي بين الاعتراف بمكتسبات التعاون المغربي الإسباني والتنبيه إلى الاختلالات التي كشفتها الأزمات الأخيرة، مع التأكيد على السيادة ورفض الضغوط، وطرح أفق لتطوير الشراكة ضمن رؤية أوسع تربط الهجرة بالتنمية والمصالح الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.

 

وعليه فإن الرسالة الأساسية التي يمكن استخلاصها ليست إعلان أزمة جديدة مع مدريد، بقدر ما هي دعوة إلى مراجعة قواعد التعاون القائم، والانتقال من إدارة أزمات الهجرة إلى بناء شراكة أكثر توازناً واستدامة، تحدد المسؤوليات وتستحضر المصالح والالتزامات المتبادلة.

الاخبار العاجلة