المغرب يتغير… فهل تواكب السياسة أسئلة المواطن؟

محرر مقالات30 سبتمبر 2026

العيون الآن. 

ياسر مزواري، باحث في الشؤون الاجتماعية و السياسية 

فاعل مدني

لا يمكن لأي عاقل إنكار التحولات التي يعرفها المغرب اليوم. هناك أوراش كبرى أُطلقت في سائر المجالات، وبنيات تحتية تتطور بشكل ايجابي، واستثمارات تظهر في قطاعات مختلفة.

لكن وسط كل هذه الحركية و الدينامية المؤسساتية، يظل سؤال حاضرا بقوة لدى كثير من المواطنين: هل يواكب النقاش السياسي الحالي ما يجري فعلًا في البلاد؟

لا يكفي أن نتحدث عن مشاريع كبرى أو أرقام اقتصادية، و نعتبر بعدها أن الصورة اكتملت. فالمواطن قد يرى طريقًا جديدة تم تدشينات لتربط بين بعض المدن، لكنه قد يظل يعاني في حيه من ضعف النقل أو نقص التجهيزات. و المواطن يسمع عن تطور الخدمات الصحية بشكل اجمالي ، لكنه قد ينتظر أسابيع للحصول على موعد لدى طبيب متخصص بمستشفى الحي او مستشفى جامعي. كما أن الأسرة تكون على معرفة بورش إصلاح التعليم، بينما تبحث في الوقت نفسه عن دعم إضافي يساعد أبناءها على مواصلة دراستهم بالشكل المطلوب.

 

كل هذه الأمثلة لا تنفي وجود مجهودات بل مجموعة من الإنجازات، لكنها تعطي الشرعية للناس لطرح الاسئلة الفارقة: كيف ستصل آثار هذه الأوراش إلى حياتهم اليومية؟ ومتى سيشعرون بها في معيشتهم و قدرتهم الشرائية.

 

اننا بطرح هذه الأسئلة لا يعني اننا نقوم بالتشكيك في تلك المجهودات أو إنكار ما تحقق. بل إن النقاش الصريح يقتضي معرفة ما نجح فعلا وما لا يزال متعثرًا. فالأرقام مهمة، لكنها لا تشرح وحدها كل شيء؛ إذ ينبغي أيضًا الإنصات إلى نبض المجتمع و ما يعيشه الناس يوميًا.

 

كثيرًا ما يكون الجواب الذي نسمعه: «الأمر يحتاج إلى مزيد من الوقت». وهذا صحيح في حالات عديدة، لكن المواطن من حقه أن يعرف ما الذي تحقق، وما الذي تأخر و بسبب ماذا.

فلا حاجة إلى أن يقدم المسؤولون صورة مثالية عن كل شي. فالاعتراف بالتأخر أو الخطأ، مع توضيح أسبابهما والإجراءات المتخذة لمعالجتهما، ليس دليلا على الفشل اوالضعف. فعلى سبيل المثال إذا تعطل تنفيذ مشروع مثلًا، فمن حق الساكنة أن تعرف هل الأمر راجع إلى سوء التدبير أو ضعف التمويل أو غياب التنسيق بين الجهات، وما الأجل الجديد لإنجازه. و أحيانا، فإن ما يضعف الثقة أكثر هو الإصرار على أن الأمور تسير على ما يرام، بينما يرى المواطن عكس ذلك.

ولا تستعيد السياسة ثقة الناس بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى شرح القرارات والاختيارات: لماذا اتُّخذ هذا القرار؟ من سيتأثر به بشكل مباشر؟ وما التدابير التي ستجعله ينعكس بشكل مباشر على الفئات الهشة.

فمن الأمور التي تزيد الناس ارتباكًا غموض المسؤوليات و عدم تحديدها بشكل دقيق. فعندما ينجح مشروع، تتسابق جهات كثيرة إلى نسب الفضل لنفسها، لكن بالمقابل عندما يقع تأخير أو خلل، يصبح من الصعب معرفة الجهة المسؤولة عن القرار أو التنفيذ. فإذا استمر عطب في طريق ما قائمًا مدة طويلة، أو تعطل مرفق عمومي بشكل يعيق من قضاء مصالح المرتفقين، فلا ينبغي أن يظل المواطن يتنقل بين الإدارات من دون أن يعرف الجهة المكلفة بمعالجة الخلل. و عليه فإن على الحكومة والأحزاب والمنتخبين والإدارات أن توضح أدوارها، وأن تتحمل كل جهة مسؤوليتها.

فالمحاسبة ليست تصفية للحسابات، بل وسيلة لمعرفة أسباب تعثر بعض الاختيارات، وتحديد ما ينبغي تغييره حتى لا تتكرر الأخطاء. وإذا تبيّن أن تقديرًا ما لم يكن صائبًا، فإن الاعتراف بذلك والبحث عن حل أفضل أنفع من الاستمرار في التبرير.

والأحزاب مطالبة بأن تبدأ من داخلها. فلا يمكن لحزب أن يتحدث عن الديمقراطية وتكافؤ الفرص، بينما لا تقنع ممارساته الداخلية المواطنين. فالمواطن لا يتابع الخطاب والبرنامج الانتخابي فحسب، بل يراقب أيضًا طريقة اختيار المرشحين، وكيفية تداول المسؤولية، ومدى تقبل النقد والاختلاف.

 

أما الحديث عن النساء و الشباب، فلا ينبغي أن يظل محصورًا في الصور واللقاءات الانتخابية. فالمشاركة الحقيقية تعني أن يكون لهم رأي في البرامج والقرارات، وأن تتاح لهم فرصة تحمل المسؤولية واقتراح الأفكار. فالشابة أو الشاب الذي يملك فكرة لمشروع محلي، ينبغي أن يجد فضاءً يُسمع فيه صوته، لا أن تقتصر علاقته بالسياسة على الحضور في الحملات الانتخابية و التصويت. وإذا اقتصر دور الشباب على الحضور والتصفيق، فلا غرابة في أن تظل السياسة بعيدة عنهم.

وفي النهاية، لا يكفي تحسين الخطاب وحده لإقناع الناس. ما يقنعهم هو وجود مسؤول يشرح، وحزب يقدم بديلًا، ومؤسسة تقبل النقد، وقرار يمكن مساءلة أصحابه عنه. المغرب يتحرك فعلًا و بالشكل الصحيح، وهذا يفرض على السياسة أن تواكب تحوله بوضوح أكبر ومسؤولية أوسع وإنصات حقيقي لأسئلة المواطنين. فالثقة لا تُبنى بالوعود، بل تبدأ حين يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن أسئلته مشروعة، وأن لها جوابًا.

الاخبار العاجلة