المرسى.. المشروع الصناعي العالق بين طموح النموذج التنموي وواقع التباطؤ

محرر مقالات14 أكتوبر 2025
المرسى.. المشروع الصناعي العالق بين طموح النموذج التنموي وواقع التباطؤ

العيون الآن.

يوسف بوصولة

عشر سنوات مرت على إطلاق جلالة الملك محمد السادس نصره الله، للنموذج التنموي الجديد الخاص بالأقاليم الجنوبية سنة 2015، وهو المشروع الملكي الطموح الذي راهن على تحويل مدن الصحراء إلى أقطاب اقتصادية متكاملة، تنفتح على الاستثمار وتؤسس لتنمية مستدامة قائمة على العدالة المجالية والنجاعة الاقتصادية.
وفي قلب هذا المشروع، برزت مدينة المرسى بإقليم العيون كإحدى أهم واجهات الرؤية الملكية، من خلال إحداث القطب الصناعي واللوجستيكي الذي كان يفترض أن يشكل قاطرة تنموية جديدة تتجاوز الطابع البحري للمدينة نحو تنويع اقتصادي متوازن ومستدام.

في الرابع من نونبر سنة 2019، وبمناسبة الذكرى الرابعة والأربعين للمسيرة الخضراء، تم إطلاق أشغال المجمع الصناعي والتجاري للتوزيع بالمرسى، بغلاف مالي ناهز 259 مليون درهم، على مساحة 73 هكتارا، يضم 114 بقعة صناعية و49 مخصصة للوجستيك، إلى جانب تجهيزات إدارية وسوسيو-اقتصادية.
ووفق معطيات رسمية، أُنجز المشروع بشراكة بين وزارة الصناعة والتجارة، وولاية جهة العيون الساقية الحمراء، والمجلس الجهوي، وبلدية المرسى، والغرفة الفرنسية للتجارة والصناعة بالمغرب، في انسجام تام مع أهداف النموذج التنموي الملكي للأقاليم الجنوبية.

لاحقا، وفي مارس 2021، صادق مجلس جهة العيون الساقية الحمراء على تفويت القطع الأرضية بالقطب الصناعي لفائدة مستثمرين مغاربة وأجانب، بتنسيق مع الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات (AMDIE)، في خطوة كانت توصف حينها بـ”التحول المفصلي” نحو خلق منطقة إنتاجية قادرة على جذب رؤوس الأموال وتنويع النشاط الاقتصادي المحلي.

رغم مرور أكثر من أربع سنوات على إعطاء الانطلاقة الفعلية للمشروع، ما تزال المنطقة الصناعية بالمرسى تواجه تعثرا واضحا في تفعيل برامجها.
فباستثناء عدد محدود من الوحدات الصناعية المرتبطة بقطاع تعليب السردين والمنتجات البحرية، التي تعاني بدورها من أزمة خانقة بسبب سوء تدبير الثروة البحرية وتراجع كميات الصيد، لم تتحقق بعد الدينامية الاقتصادية الموعودة، ولم تظهر النتائج المنتظرة على مستوى التشغيل والتنويع الصناعي.

واقع يطرح تساؤلات مشروعة حول أسباب بطء تنفيذ هذا الورش الملكي، رغم توفر البنيات التحتية والدعم المؤسساتي والمالي، وحول غياب المتابعة الصارمة لتسريع وتيرة الإنجاز، خصوصا وأن المشروع أُدرج ضمن أولويات النموذج التنموي الملكي الذي وصفه جلالته بـ”عقد نهوض جماعي من أجل مغرب جديد”.

في خطابه السامي بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية الأخيرة، شدد جلالة الملك على ضرورة الانتقال من منطق التبرير إلى منطق الإنجاز، مؤكدا أن المرحلة المقبلة تتطلب “تحمّل المسؤولية الكاملة في تنفيذ المشاريع والبرامج، بدل الاكتفاء بتكرار الأعذار”.
وهي رسالة واضحة إلى مختلف الفاعلين، خاصة في الجهات والأقاليم الجنوبية، بضرورة التحلي بالفعالية والتنسيق الميداني لتفعيل المشاريع التنموية الكبرى بما ينسجم مع روح النموذج الجديد.

كما حذر جلالته في خطاب عيد العرش من استمرار مظاهر الفوارق بين المجالات الترابية، مؤكدا أن “لا مكان اليوم ولا غدا لمغرب يسير بسرعتين”، في إشارة قوية إلى وجوب تحقيق العدالة المجالية حتى في مجالات الاستثمار والتصنيع والبنية الاقتصادية والاجتماعية.

إن مشروع القطب الصناعي بالمرسى ليس مجرد ورش اقتصادي، بل ترجمة عملية للرؤية الملكية الرامية إلى ترسيخ اقتصاد متنوع ومندمج في الأقاليم الجنوبية.
لكن غياب الدينامية على الأرض يضعف من مصداقية هذا التوجه، ويجعل الحاجة ملحّة إلى إرادة سياسية ومؤسساتية حقيقية لتسريع وتيرة الإنجاز، وضمان استفادة شباب المنطقة من فرص الشغل والاستثمار التي وعدوا بها قبل سنوات.

في هذا الإطار، تكتسي الخطابات الملكية السامية أهمية خاصة، إذ ما فتئ جلالة الملك محمد السادس نصره الله، يؤكد على ضرورة التعريف بالمنجزات في مختلف المشاريع والبرامج التنموية، وتشجيع ثقافة التواصل الفعال بين المسؤولين والمواطنين. فالتواصل، كما جاء في خطابات جلالته، ليس مجرد وسيلة إخبار بل هو جسر لبناء الثقة وإشراك المواطن في متابعة مسار التنمية، والاطلاع على خصوصيات المشاريع، وما تحقق منها وما لم يتحقق بعد، مع رصد مكامن القوة والضعف. وهو أيضا سلاح ضد كل التأويلات المغلوطة التي لا تخدم الصالح العام، وتشوش على المجهودات التنموية المبذولة.

في الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، تبقى الرسالة واضحة:
أن الوفاء لروح المسيرة لا يكون فقط بالاحتفاء بذكراها، بل بترجمة مشاريعها التنموية الكبرى إلى واقع ملموس ينعكس على حياة المواطنين، ويجسد بصدق رؤية جلالة الملك في بناء “مغرب الصعود الاقتصادي والاجتماعي” الذي لا يترك أي جهة خلف الركب.

الاخبار العاجلة