العيون الآن.
حمزة وتاسو / العيون.
في تطور لافت من داخل مخيمات تندوف أشاد محمد يسلم بيسط المقدم بصفته “وزير الخارجية” لجبهة البوليساريو، خلال حديثه للقناة الجزائرية الرسمية Al24 News، بما وصفه بـ”الجهود الحقيقية والجديرة بالثناء” التي تبذلها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتقريب وجهات النظر بين أطراف نزاع الصحراء. هذا التصريح الذي يأتي في سياق إقليمي ودولي متحرك، يكتسي أهمية خاصة لكونه يعكس تحولا في نبرة الخطاب السياسي للجبهة تجاه الدور الأمريكي، بعد سنوات من التوجس والانتقاد.
اعتبر بيسط أن المبادرة الأمريكية تمثل “تطورا مهما” في مسار البحث عن حل للنزاع، مشيرا إلى تنظيم جولات مفاوضات مباشرة “بما يتوافق مع قرارات الأمم المتحدة”، غير أن هذا الطرح يتجاهل وفق معطيات المسار التفاوضي، أن الدينامية الحالية ليست وليدة لحظة سياسية معزولة، بل امتداد لجهود دبلوماسية سابقة قادتها إدارات أمريكية متعاقبة، من بينها محادثات مانهاست (2007-2008) واجتماعات الطاولة المستديرة في جنيف (2018-2019)، والتي أرست الإطار المرجعي للحوار السياسي القائم.
هذا التغاضي يطرح تساؤلات حول الخلفيات السياسية لهذا التوصيف، وما إذا كان يعكس إعادة تموقع تكتيكي في خطاب الجبهة، أكثر منه تحولا جوهريا في مواقفها.
في المقابل عبر زعيم الجبهة إبراهيم غالي عن موقف أكثر حذرا، حيث أبدى “تقديره للجهود الحالية” المبذولة في إطار القرار الأممي رقم 2797، الذي اعتمد في 31 أكتوبر، والرامي إلى الدفع نحو حل “عادل ونهائي ومقبول من الطرفين”. غير أن هذا التصريح يتقاطع مع مواقف سابقة للجبهة بدت أكثر حدة، حيث كانت قد وصفت القرار ذاته، في بيان رسمي صدر في التاريخ نفسه، بأنه “انحراف خطير وغير مسبوق”، معتبرة أنه يقوض الوضع القانوني للنزاع ويعرقل جهود الأمم المتحدة.
بل إن الجبهة ذهبت آنذاك إلى إعلان رفضها المشاركة في أي مسار سياسي لا يستند إلى ما تسميه “مبدأ تقرير المصير”، ما يعكس تناقضا واضحا بين الخطاب الراهن والتصريحات السابقة، ويؤشر على ارتباك في تحديد الموقف الرسمي من المبادرات الدولية.
تأتي هذه التحولات في سياق تحرك أمريكي متجدد منذ فبراير الماضي، حيث تركزت النقاشات بشكل متزايد حول مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كحل للنزاع، والتي أعادت الرباط تقديم تفاصيلها في إطار رؤية موسعة لتسوية سياسية، ويلاحظ أن هذا التوجه يحظى بدعم متنام داخل دوائر القرار الدولي، خاصة في ظل البحث عن حلول واقعية وقابلة للتطبيق.
بالتوازي مع هذا الحراك الدبلوماسي، تشهد الساحة السياسية في الولايات المتحدة تصعيدا ملحوظا في المواقف تجاه جبهة البوليساريو، حيث انضم عدد من النواب وأعضاء مجلس الشيوخ إلى مبادرات تشريعية تهدف إلى تصنيف الجبهة ككيان إرهابي، في سياق مقارنات مع تنظيمات مثل “حزب الله” اللبناني و”الحرس الثوري” الإيراني، ويعكس هذا التوجه تحولا نوعيا في مقاربة بعض الفاعلين الأمريكيين للنزاع، من زاوية أمنية تتجاوز الطرح السياسي التقليدي.
تظهر هذه المعطيات مجتمعة أن خطاب جبهة البوليساريو يعيش مرحلة إعادة تشكيل تحت تأثير متغيرات دولية وإقليمية متسارعة، فبين الإشادة الحذرة بالمبادرات الأمريكية والانتقادات السابقة لمرجعياتها، يبدو أن الجبهة تجد نفسها أمام ضغوط متزايدة تدفعها إلى تبني خطاب أكثر مرونة، دون أن تحسم بشكل نهائي في توجهها السياسي.
كما أن تصاعد النقاش داخل الولايات المتحدة حول تصنيفها المحتمل كتنظيم إرهابي قد يفرض على قيادتها مراجعة حساباتها، في ظل مخاطر العزلة السياسية وتضييق هامش التحرك الدبلوماسي.
ختاما يعكس هذا التباين في المواقف حالة من عدم الاتساق في الخطاب الرسمي للجبهة، ويؤشر على مرحلة مفصلية قد تعيد رسم معالم التعاطي الدولي مع نزاع الصحراء، في اتجاه حلول أكثر واقعية تستجيب لموازين القوى والتحولات الجيوسياسية الراهنة.
