العيون الآن.
إعلان “جمهورية القبائل” يربك الجزائر ويفضح ازدواجية خطابها حول تقرير المصير
يوسف بوصولة
بعد عقود من توظيف ورقة الانفصال في الصحراء المغربية كورقة ضغط إقليمية، تجد الجزائر نفسها اليوم في مواجهة ارتدادات سياساتها ذاتها، مع إعلان حركة تقرير المصير في القبائل “ماك” والحكومة القبائلية في المنفى “أنافاد”، في 14 دجنبر الجاري، عن استقلال ما سمته بـ“جمهورية القبائل الاتحادية”. إعلان لم يمر كخبر عابر في المشهد الجزائري، بل شكل صدمة سياسية وأعاد فتح جراح قديمة تتعلق بالهوية والوحدة الترابية، ومصداقية الخطاب الرسمي الجزائري داخلياً وخارجيا.
البيان الصادر عن الكيان المعلن من باريس الذي تحدث عن “وضع حد لأكثر من قرن ونصف القرن من الخضوع المفروض”، وضع نظام قصر المرادية في موقف حرج بعدما ظل لسنوات يرفع شعار “تقرير المصير” خارج حدوده، ويدافع عن مشاريع التقسيم في المنطقة، قبل أن يكتشف فجأة أن المفهوم ذاته يمكن أن يستعمل ضده. هذا التحول السريع من خطاب “حق الشعوب” إلى خطاب “الوحدة والسيادة” كشف تناقضا بنيويا في العقيدة السياسية للنظام الجزائري.
ردود الفعل داخل الجزائر عكست هذا الارتباك. فقد سارعت أحزاب وشخصيات سياسية من مختلف المشارب إلى التنديد بإعلان استقلال القبائل، واعتباره تهديدا مباشرا لوحدة البلاد. حزب “حركة مجتمع السلم” الإسلامي وصف الخطوة بـ“المسعى المشبوه” و“الخيانة لتضحيات الشهداء”، معتبراً أن القائمين عليها “شرذمة معزولة ومرتهنة لأجندات خارجية”، في خطاب يعيد إنتاج لغة التخوين ذاتها التي طالما استخدمتها الجزائر ضد خصومها، لكنها كانت ترفضها عندما تتعلق بوحدة دول الجوار.
أما حزب “جبهة المستقبل” فقد شدد على لسان رئيسه فاتح بوطبيق، من قلب تيزي وزو على أن “الوحدة الترابية خط أحمر لا يقبل أي مساومة”، مذكرا بالدور التاريخي لمنطقة القبائل في مسار الدولة الجزائرية. بدوره اعتبر يوسف عوشيش رئيس “جبهة القوى الاشتراكية” أن الانفصال “خيانة عظمى”، محذرا من تداخل غير مسبوق للتهديدات الوجودية التي تواجه الجزائر، في ظل هشاشة داخلية وضغوط اجتماعية وتدخلات خارجية متزايدة.
غير أن هذا الإجماع الظاهري للأحزاب، وفق متابعين لا يخفي حقيقة أساسية، وهي أن هذه المواقف تظل في جوهرها امتدادا لخطاب النظام نفسه. في هذا السياق، يرى شوقي بن زهرة الناشط السياسي الجزائري المقيم بفرنسا أن ردود فعل الأحزاب “متوقعة”، لأنها “مروضة سياسيا ولا تخرج عن سقف النظام”، مذكراً بأنها لطالما دافعت عن مواقفه، بما فيها دعمه الصريح لجبهة البوليساريو وطرح الانفصال في الصحراء المغربية.
ويؤكد بن زهرة أن ما بعد 14 دجنبر “لن يكون كما قبله”، لأن إعلان استقلال القبائل يمثل تطورا خطيرا في مسار الأزمة الجزائرية الداخلية، وهو “نتيجة مباشرة لغباء سياسي طويل الأمد”، قائم على تصدير الأزمات ودعم النزعات الانفصالية في دول الجوار. فالنظام الجزائري بحسبه لم يكتف بدعم البوليساريو، بل احتضن أيضا محاولات انفصالية أخرى، قبل أن يصطدم اليوم بالمنطق نفسه داخل حدوده.
في المحصلة يبدو أن إعلان “جمهورية القبائل”، سواء كُتب له الاستمرار أو ظل في إطار رمزي وسياسي، قد نجح في تعرية التناقض الصارخ في الخطاب الجزائري الرسمي ووضعه أمام امتحان صعب: إما الإقرار بأن “تقرير المصير” سيف ذو حدين، أو الاستمرار في سياسة ازدواجية المعايير، مع ما تحمله من مخاطر تفكك داخلي وفقدان المصداقية إقليميا ودوليا.










