أكتوبر الصحراء.. الرباط تتحرك نحو قرار أممي ينقل الحكم الذاتي من المرجعية إلى تفاصيل الحل

محرر مقالات3 أكتوبر 2026
أكتوبر الصحراء.. الرباط تتحرك نحو قرار أممي ينقل الحكم الذاتي من المرجعية إلى تفاصيل الحل

العيون الآن 

يوسف بوصولة – العيون

 

يدخل ملف الصحراء شهر أكتوبر على وقع تحركات دبلوماسية مغربية مكثفة، بالتزامن مع استعداد مجلس الأمن لمناقشة مستقبل المسار السياسي وتجديد ولاية بعثة “المينورسو”، في استحقاق تراهن فيه الرباط على البناء على التحول الذي أحدثه القرار 2797، والانتقال بالنقاش من تثبيت الحكم الذاتي أساسا للمفاوضات إلى بحث مضمون التسوية وتفاصيلها العملية.

 

فلقرار الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025 لم يكتف بتمديد ولاية “المينورسو” إلى غاية 31 أكتوبر 2026، وإنما دعم إجراء المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، ودعا الأطراف إلى الدخول في هذه المناقشات دون شروط مسبقة، بهدف الوصول إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه، مع إقراره بأن “حكم ذاتيا حقيقيا” يمكن أن يمثل النتيجة الأكثر قابلية للتحقق.

 

وبالنسبة إلى الدبلوماسية المغربية يجعل هذا التحول استحقاق أكتوبر 2026 مختلفا عن دورات سابقة لمجلس الأمن. فالسؤال الذي يسبق المشاورات هذه المرة لا يتعلق فقط بموقع مبادرة الحكم الذاتي داخل العملية السياسية، بعدما أصبحت أساسا صريحا للمفاوضات في القرار 2797، وإنما بما إذا كان المجلس سيبني على هذه المرجعية ويدفع الأطراف إلى مناقشة تفاصيلها وضماناتها وترتيباتها في المرحلة المقبلة.

 

وهنا تحديدا تتركز التحركات المغربية في نيويورك ومع عدد من العواصم المؤثرة، إذ تسعى الرباط إلى توسيع دائرة الدعم لصيغة أكثر تقدما في القرار المقبل، تنقل العملية السياسية وفق التصور المغربي من نقاش الخيارات العامة إلى مفاوضات أكثر تحديدا حول الحكم الذاتي ومضامينه وآليات التوصل إلى تسوية نهائية.

 

ويضع البرنامج المؤقت لمجلس الأمن ملف الصحراء ضمن أجندة الأسبوع المقبل، في ظل الرئاسة اليونانية للمجلس خلال شهر أكتوبر. ويشير البرنامج الرسمي إلى مشاورات مغلقة حول “المينورسو” يومي 7 و8 أكتوبر، قبل الاستحقاق النهائي المتعلق بتجديد ولاية البعثة التي تنتهي في 31 أكتوبر.

 

وينتظر أن يقدم ألكسندر إيفانكو الممثل الخاص للأمين العام ورئيس بعثة “المينورسو”، وستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام، إحاطات إلى أعضاء المجلس حول الوضع الميداني وحصيلة المسار السياسي. كما يأتي ذلك بعد صدور التقرير السنوي للأمين العام حول الوضع في الصحراء في فاتح أكتوبر.

 

ولا تكمن أهمية هذه الإحاطات في كونها ستنتج قرارا فوريا، وإنما في المعطيات التي ستضعها أمام الدول الخمس عشرة قبل بدء المفاوضات الفعلية حول مشروع القرار.

 

فبعد مرور نحو عام على اعتماد القرار 2797، ستكون حصيلة تحركات المبعوث الأممي ومدى تفاعل الأطراف مع المرجعية التي وضعها المجلس جزءا أساسيا من تقييم المرحلة السابقة، قبل تحديد الاتجاه الذي ستسلكه الصياغة الجديدة.

 

أهمية القرار 2797 بالنسبة إلى المقاربة المغربية تكمن في أنه أدخل تغييرا واضحا على لغة مجلس الأمن، عندما نص صراحة على إجراء المفاوضات “على أساس” مقترح الحكم الذاتي المغربي، ورحب بالمقترحات البناءة التي تقدمها الأطراف استجابة لهذه المبادرة.

 

ولهذا يدخل المغرب استحقاق أكتوبر من موقع يسعى فيه إلى البناء على هذه الصياغة، لا العودة إلى النقاش الذي سبقها.

 

ومن هذه الزاوية بصبح الرهان المغربي مرتبطا بمدى إمكانية تحويل المرجعية التي أرساها القرار السابق إلى مسار تفاوضي أكثر تفصيلا: ما مضمون الحكم الذاتي؟ ما المؤسسات التي يمكن أن يقوم عليها؟ ما نطاق الاختصاصات؟ ما الضمانات؟ وكيف يمكن للأمم المتحدة مواكبة التفاوض حول صيغة نهائية متوافق عليها؟

 

هذه الأسئلة لا يعني طرحها أن مجلس الأمن قرر مسبقا شكل التسوية النهائية أو دخل فعليا مرحلة تنفيذ الحكم الذاتي؛ فالقرار 2797 أبقى الهدف المعلن هو التوصل إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه. لكنه جعل المقترح المغربي نقطة الانطلاق المحددة للمفاوضات، وهو ما تسعى الرباط إلى البناء عليه في قرار أكتوبر.

 

ولا ينفصل هذا التحول عن مستقبل بعثة “المينورسو” نفسها. فالقرار 2797 طلب من الأمين العام إجراء مراجعة استراتيجية لمستقبل ولاية البعثة، مع الأخذ بعين الاعتبار نتائج المفاوضات، وهو بند يفتح النقاش حول العلاقة بين تطور العملية السياسية وطبيعة الدور الذي يمكن أن تضطلع به البعثة الأممية مستقبلا.

 

وبالنسبة إلى المقاربة المغربية، يمكن أن يصبح تطور وظيفة البعثة جزءا من مرحلة سياسية مختلفة إذا حققت المفاوضات تقدما، لكن القرار القائم لا يمنح “المينورسو” حاليا مهمة مراقبة تنفيذ الحكم الذاتي، وأي انتقال إلى وظيفة من هذا النوع سيحتاج إلى قرار جديد من مجلس الأمن يحدد بصورة صريحة طبيعة التفويض.

 

وهنا تبدو أهمية استحقاق أكتوبر أبعد من مسألة التمديد التقني للبعثة. فالنقاش سيشمل بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ما إذا كانت وظيفة “المينورسو” ستظل مرتبطة بالإطار الحالي، أم أن المجلس سيبدأ في تكييفها تدريجيا مع الاتجاه الذي ستسلكه العملية السياسية.

 

ويمنح موقع الولايات المتحدة ثقلا إضافيا للتحركات المغربية، ليس فقط بسبب موقف واشنطن الداعم للمقترح المغربي، وإنما أيضا لأنها صاحبة القلم في ملف الصحراء داخل مجلس الأمن، أي الطرف الذي يقود عادة عملية إعداد مشروع القرار والتفاوض حول صياغته قبل عرضه للتصويت.

 

كان مشروع القرار الذي تحول إلى القرار 2797 في أكتوبر 2025 مقدما من الولايات المتحدة، قبل اعتماده بأحد عشر صوتا مؤيدا مقابل ثلاثة امتناعات، فيما لم تشارك الجزائر في التصويت.

 

ولهذا تتحرك الرباط قبل مرحلة الصياغة النهائية باتجاه مختلف أعضاء المجلس، وخصوصا الدول دائمة العضوية، سعيا إلى حماية المكتسب الذي تحقق في القرار السابق والدفع باتجاه لغة تبني عليه.

 

تبقى هذه المرحلة شديدة الحساسية دبلوماسيا، لأن المسودة التي تبدأ بها المفاوضات ليست بالضرورة النص الذي يصل إلى التصويت؛ إذ تخضع مشاريع القرارات عادة لمشاورات وتعديلات هدفها جمع العدد الكافي من الأصوات وتجنب استخدام حق النقض من أحد الأعضاء الدائمين.

 

لذلك سيكون من الاختزال قراءة اجتماعات أكتوبر باعتبارها مجرد محطة سنوية لتجديد ولاية «المينورسو». فالمجلس يدخل النقاش هذه السنة وفي يده مرجعية أكثر تحديدا من السابق: مفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي دون شروط مسبقة للوصول إلى حل نهائي ومتوافق عليه، مع اعتبار الحكم الذاتي الحقيقي نتيجة قابلة للتحقق.

 

أما الرهان المغربي فيتمثل في جعل القرار المقبل خطوة إضافية فوق هذه الأرضية، بحيث ينتقل النقاش تدريجيا من سؤال “ما أساس المفاوضات؟” إلى سؤال “كيف يمكن تحويل هذا الأساس إلى تسوية سياسية قابلة للتطبيق؟”.

 

وستكون إحاطتا 7 و8 أكتوبر أول اختبار لهذا الاتجاه، لأن ما سيقدمه إيفانكو ودي ميستورا، إلى جانب تقرير الأمين العام وحصيلة الاتصالات التي جرت خلال الأشهر الماضية، سيشكل جزءا من المادة التي سيبني عليها أعضاء المجلس مواقفهم قبل الدخول في مفاوضات النص الجديد.

 

وبهذا المعنى يدخل المغرب أكتوبر وهو يسعى إلى البناء على القرار 2797 لا باعتباره نهاية لمسار دبلوماسي، بل نقطة انطلاق لمرحلة يريدها أكثر ارتباطا بتفاصيل التسوية. ويبقى مقدار ما سينعكس من هذا التوجه في القرار الجديد رهينا بالمفاوضات بين أعضاء مجلس الأمن والصيغة التي ستتمكن واشنطن من جمع التوافق حولها قبل التصويت المرتقب نهاية الشهر.

الاخبار العاجلة