العيون الآن.
يوسف بوصولة – الرباط
حل نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لانداو بالجزائر مرفوقا بقائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) داغفين أندرسون في زيارة تندرج ضمن تحرك دبلوماسي أمريكي أوسع لإعادة ترتيب أولوياتها في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.
تعكس هذه الزيارة تحولا واضحا في مقاربة واشنطن تجاه شركائها الإقليميين، حيث لم تعد تنظر إلى الجزائر فقط كمزود للطاقة، بل كفاعل مركزي في ملفات إقليمية معقدة في مقدمتها الوضع الأمني في الساحل ومسار تسوية النزاع حول الصحراء المغربية.
تشير أجندة اللقاءات المرتقبة مع عدد من المسؤولين الجزائريين في قطاعات الخارجية والدفاع والطاقة إلى مقاربة أمريكية مزدوجة: عرض فرص شراكة استراتيجية موسعة مقابل طرح ملفات خلافية بشكل مباشر في محاولة للدفع نحو مواقف أكثر انسجاما مع الرؤية الأمريكية للحل.
يأتي هذا التحرك بعد أيام قليلة من لقاء جمع المستشار الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس بوزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف في أنطاليا، وهو الاجتماع الذي تناول وفق معطيات متقاطعة قضايا حساسة تشمل مخيمات تندوف، وتطورات الوضع في مالي، وآفاق التسوية السياسية لملف الصحراء.
في هذا السياق تبدو زيارة لانداو ذات طابع تنفيذي تروم ترجمة تلك النقاشات إلى تفاهمات ملموسة، خاصة في ظل مؤشرات على انتقال واشنطن من مرحلة “إدارة النزاع” إلى الدفع نحو حسمه، مستفيدة من تنامي الدعم الدولي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي وتحول مواقف عدد من القوى الأوروبية.
يتقاطع هذا المسار مع الإحاطة الأخيرة للمبعوث الأممي ستافان دي ميستورا أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، التي تحدث فيها عن “زخم حقيقي” وفرصة للتوصل إلى حل سياسي ما يعزز فرضية دخول الملف مرحلة أكثر حسما على المستوى الدولي.
غير أن هذا الحراك السياسي يتداخل مع تصعيد أمني لافت في منطقة الساحل خاصة في مالي، حيث شهدت الأسابيع الأخيرة هجمات منسقة لجماعات مسلحة مرتبطة بتنظيمات متطرفة، في تطورات أعادت طرح تساؤلات حول أدوار بعض الفاعلين الإقليميين وسط اتهامات متكررة للجزائر بشأن تعاطيها مع هذه التهديدات.
في هذا الإطار تبرز ملامح سياسة “العصا والجزرة” في المقاربة الأمريكية إذ تلوح واشنطن بإمكانية تصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية وهو خيار يناقش داخل دوائر الكونغرس الأمريكي في مقابل عرض شراكات اقتصادية وعسكرية موسعة، تشمل مجالات الطاقة والتعدين والتعاون الدفاعي.
غير أن الجزائر تجد نفسها أمام معادلة معقدة فالتراجع عن موقفها التقليدي من ملف الصحراء قد يفسّر داخليا كتحول استراتيجي مكلف، في حين أن الاستمرار في النهج الحالي قد يزيد من حدة الضغوط الدولية في ظل بيئة دولية لم تعد تتسامح مع النزاعات طويلة الأمد.
وفي المقابل يواصل المغرب تعزيز حضوره الإقليمي خاصة في منطقة الساحل، عبر شراكات متعددة الأبعاد ما يساهم في إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، ويفرض على الفاعلين التقليديين إعادة تقييم استراتيجياتهم.
مع اقتراب محطات أممية حاسمة وعلى رأسها مستقبل بعثة “المينورسو”، تبدو الأشهر المقبلة مفصلية في تحديد مآلات هذا النزاع، في ظل إرادة دولية متزايدة لإنهائه وتفادي انزلاق المنطقة نحو مزيد من التوترات.
في هذا السياق قد تشكل الزيارة الأمريكية الحالية نقطة تحول حيث تتقاطع الدبلوماسية مع الحسابات الاستراتيجية، ويتداخل الضغط بالتحفيز، في محاولة لإغلاق أحد أكثر الملفات تعقيدا في القارة الإفريقية











