العيون الآن.
حمزة وتاسو / باريس.
انطلقت بالعاصمة الإسبانية مدريد جولة جديدة من المباحثات السياسية حول قضية الصحراء المغربية، برعاية مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة، في خطوة تعكس عودة الزخم الدولي إلى ملف ظل لسنوات رهين الجمود والتجاذبات، وتأتي هذه الجولة التي جمعت أطراف النزاع المعنيين، في سياق دولي متحول تتعاظم فيه الدعوات إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى البحث الجدي عن حل سياسي دائم وقابل للتطبيق.
وأفادت بعثة الولايات المتحدة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، عبر حسابها الرسمي على منصة “X” بأن هذه المباحثات تندرج ضمن جهود إعطاء دفعة جديدة للمسار السياسي، بعد فترة من التراجع النسبي في وتيرة النقاشات، ووفق المعطيات المعلنة شاركت في هذه الجولة المملكة المغربية، وجبهة البوليساريو، والجمهورية الجزائرية، والجمهورية الإسلامية الموريتانية، في صيغة تعكس عودة المقاربة متعددة الأطراف تحت إشراف دولي مباشر.
ويعد هذا الإعلان أول معطى رسمي يصدر عن واشنطن بخصوص مباحثات مدريد، ما يمنحه وزنا سياسيا خاصا، ويؤشر على انخراط أمريكي متزايد في توجيه مسار هذا الملف داخل أروقة الدبلوماسية الدولية.
وبحسب المصدر ذاته تمحورت المباحثات أساسا حول آليات تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 (2025)، الذي يشكل الإطار المرجعي الأحدث للتعاطي مع قضية الصحراء. ويؤكد القرار على مبادئ الواقعية والتوافق، ويدعو الأطراف إلى الانخراط الجاد والمسؤول في العملية السياسية، بهدف التوصل إلى حل سياسي دائم، عملي، وقابل للتنفيذ، تحت مظلة الأمم المتحدة.
وينظر إلى هذا القرار باعتباره امتدادا لمسار أممي بات يركز بشكل متزايد على الحلول الواقعية، بعيدا عن الطروحات القصوى التي أثبتت محدوديتها على مدى عقود.
تأتي مباحثات مدريد في ظرف دولي وإقليمي دقيق، يتسم بتزايد التحديات الأمنية في منطقة الساحل والصحراء، وتنامي المخاوف المرتبطة بعدم الاستقرار، والهجرة غير النظامية، وشبكات الجريمة العابرة للحدود، وفي هذا السياق تتقاطع مصالح عدد من القوى الدولية حول ضرورة طي هذا النزاع الإقليمي، الذي بات ينظر إليه كعامل معيق للتعاون والتنمية الإقليمية.
ويرى متابعون أن استمرار الوضع القائم لم يعد يحظى بنفس القبول داخل العواصم المؤثرة، في ظل كلفة سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة، ما يفسر تصاعد الدعوات إلى حلول عملية تستند إلى الشرعية الدولية والواقعية السياسية.
ويجمع مراقبون على أن تحرك مدريد يعكس تعاظم الدور الأمريكي في هندسة المسار السياسي، ليس فقط عبر الدعم الدبلوماسي، بل من خلال الانخراط المباشر في تيسير النقاشات وتحديد أولوياتها، بالتوازي مع حضور أممي يسعى إلى إعادة الاعتبار للمسار السياسي كخيار وحيد لمعالجة النزاع.
وفي هذا الإطار تبرز استضافة إسبانيا لهذه الجولة كجزء من مساع دولية لتوفير فضاءات حوار توصف بـ”المحايدة”، بعيدا عن مناخات التوتر الإعلامي والتصعيد السياسي، مع الإبقاء على ضغط دبلوماسي محسوب لدفع الأطراف نحو مخرجات عملية.
ورغم أن المباحثات لا تزال في مراحلها الأولى، فإن دلالاتها السياسية تبدو واضحة، وفق محللين، أبرزها عودة النقاش إلى صلب قرارات مجلس الأمن، وتراجع السجالات الإيديولوجية لصالح مقاربة براغماتية، تسعى إلى كسر حلقة الجمود التي طبعت الملف خلال السنوات الأخيرة.
ويبقى الرهان الأساسي معقودا على قدرة هذه اللقاءات على الانتقال من مستوى المشاورات إلى بلورة خطوات ملموسة، تعكس إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف المعنية، وتترجم التحول الدولي المتنامي من خطاب إدارة النزاع إلى أفق الحل السياسي النهائي.











