العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
يتجه ميناء الداخلة الأطلسي إلى تجاوز وظيفته التقليدية كمرفق بحري لنقل البضائع، ليصبح أحد المحاور الرئيسية في المنظومة الاقتصادية واللوجستية والطاقية التي تتشكل تدريجيا بجهة الداخلة وادي الذهب، بالتوازي مع تقدم إنجاز المشروع وظهور استثمارات جديدة مرتبطة بالطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر ومشتقاته.
تؤكد المعطيات المتعلقة بالاستثمارات العمومية لسنة 2026 استمرار إنجاز الميناء، الذي تصل كلفته الإجمالية إلى حوالي 13 مليار درهم، بالتوازي مع التوجه نحو توفير بنيات إضافية قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية المرتقبة بالجهة.
ولا تبدو أهمية المشروع مرتبطة بالميناء في حد ذاته فقط، بل بما بدأ يتشكل حوله من شبكة تشمل المناطق اللوجستية والطرق والمشاريع الصناعية والطاقية، بما يمهد لظهور قطب اقتصادي جديد على الواجهة الأطلسية للمملكة.
تكتسب هذه التحولات بعدا إضافيا مع دخول جهة الداخلة فعليا ضمن خريطة المشاريع التي اختارها المغرب في إطار عرضه للهيدروجين الأخضر. ففي فبراير 2026 أعلنت TAQA Morocco وشريكتها الإسبانية Moeve توقيع اتفاق أولي مع الحكومة المغربية لحجز العقار المخصص لمشروع واسع النطاق لإنتاج الأمونياك الأخضر والوقود الصناعي.
ويمثل الاتفاق انتقال المشروع إلى مرحلة أكثر تقدما من الإعداد، إذ سمح بإطلاق دراسات الجدوى، بعدما اختير التحالف ضمن المشاريع المستفيدة من “عرض المغرب للهيدروجين الأخضر”.
وتتولى TAQA Morocco، وفق التصور المعلن توفير مكونات الطاقة المتجددة للمشروع من موقع بجهة الداخلة، فيما تتولى Moeve إنتاج وتسويق الوقود الإلكتروني انطلاقا من ميناء الجرف الأصفر.
بذلك تدخل الداخلة إلى سلسلة القيمة الجديدة للطاقة النظيفة من بوابة إنتاج الكهرباء المتجددة الضرورية لصناعة مشتقات الهيدروجين، في وقت تتوسع فيه المشاريع والبنيات الموجهة لاستقبال أنشطة اقتصادية وصناعية جديدة بالجهة.
بالتوازي مع المشروع المينائي تتحرك الاستثمارات نحو بناء المجال اللوجستي المحيط به. ففي فاتح شتنبر 2026 أطلقت الوكالة المغربية لتنمية الأنشطة اللوجستيكية طلب عروض لإنجاز الدراسات التقنية المتعلقة بالمنطقة الاقتصادية واللوجستية المستقبلية بإقليم العركوب.
تكتسي هذه المنطقة أهمية بالنظر إلى موقعها داخل التحولات الجارية بمحيط الداخلة، إذ يمكن أن توفر مستقبلا فضاءات لاستقبال الأنشطة المرتبطة بالتخزين والتحويل والخدمات والنقل، وتربط النشاط المينائي بالاستثمارات الصناعية والاقتصادية المنتظرة.
لا يقتصر الاستثمار المينائي على المشروع الأطلسي الجديد، إذ أطلقت الوكالة الوطنية للموانئ بدورها طلب عروض يتعلق بالشطر الثاني من أشغال إعادة تأهيل رصيف الولوج إلى ميناء الداخلة المدينة، بغلاف تقديري يقارب 31.7 مليون درهم، وحدد 17 شتنبر 2026 آخر أجل لإيداع العروض.
تعكس هذه المشاريع توجها مزدوجا: بناء ميناء جديد قادر على مواكبة التحولات المستقبلية، وفي الوقت نفسه الاستمرار في تأهيل البنية المينائية القائمة.
الأهم في التحول الجاري أن التخطيط لميناء الداخلة الأطلسي أصبح يتقاطع مع التحولات الكبرى التي تعرفها السياسة الطاقية المغربية. فالطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر ومشتقاته تحتاج إلى منظومة تتجاوز مواقع إنتاج الكهرباء، وتشمل النقل والتخزين والمناطق الصناعية والربط البحري والبنيات اللوجستية القادرة على الوصول إلى الأسواق الدولية.
فوجود ميناء كبير على الواجهة الأطلسية بالقرب من مناطق تمتلك إمكانات مهمة في إنتاج الطاقة الشمسية والريحية يمنح الداخلة إمكانية الجمع بين الإنتاج الصناعي والطاقة والخدمات اللوجستية داخل مجال جغرافي واحد.
تزداد أهمية هذه المعادلة مع استهداف الميناء طاقة استيعابية كبيرة تصل، وفق المعطيات المتعلقة بالمشروع، إلى حوالي 35 مليون طن سنويا، بما يؤهله للتعامل مع أحجام تجارية وصناعية تتجاوز حاجيات السوق المحلية والجهوية.
يمثل الغاز الطبيعي مستوى آخر من التصورات المستقبلية المرتبطة بالموقع الطاقي للداخلة، لكن التعامل معه يقتضي التمييز بين المشاريع التي دخلت التنفيذ والخيارات التي لا تزال ضمن التخطيط طويل الأمد.
فخارطة تطوير البنية التحتية الغازية للمملكة تفتح المجال أمام بناء شبكة أكثر تكاملا على الواجهة الأطلسية، مع دراسة إمكان توسيع البنية مستقبلا نحو الداخلة وربطها بالمشاريع الأطلسية الكبرى.
كما تندرج ضمن التصورات المطروحة دراسات مرتبطة بإمكان تطوير منشآت للغاز الطبيعي المسال، في سياق أوسع يستهدف تنويع مصادر الإمداد وتعزيز الأمن والسيادة الطاقية للمملكة.
وعليه فإن الحديث عن الغاز في الداخلة يتعلق حاليا بمسار استراتيجي مستقبلي أكثر منه ببنية قائمة أو مشروع دخل مرحلة التنفيذ.
الصورة التي تتشكل في الداخلة لذلك أكبر من ورش مينائي منفرد. فميناء الداخلة الأطلسي يوجد في قلب شبكة تتكون تدريجيا من الطرق والمناطق اللوجستية والاستثمارات الصناعية والطاقات المتجددة ومشاريع الهيدروجين، إضافة إلى ارتباط المنطقة بالممر التجاري المتجه جنوبا نحو موريتانيا وغرب إفريقيا.
ويمنح هذا التداخل الداخلة وظيفة جديدة داخل الاقتصاد المغربي؛ فمن عاصمة جهوية ذات موقع بحري مهم، تتجه المنطقة نحو التحول إلى عقدة تربط الإنتاج بالطاقة واللوجستيك والتجارة الخارجية.
كما أن موقعها على الواجهة الأطلسية يمنح المشروع بعدا يتجاوز السوق الوطنية، خصوصا في ظل التوجه المغربي نحو تعزيز المبادلات مع دول غرب إفريقيا وتطوير الواجهة الأطلسية للمملكة باعتبارها فضاء جديدا للاستثمار والتجارة والطاقة.
التحول الحقيقي الذي يحمله ميناء الداخلة الأطلسي في نهاية المطاف، لا يقاس بعدد السفن التي يمكن أن يستقبلها فقط. قيمته الاستراتيجية ستتحدد بقدرته على جذب الصناعة والاستثمار وربط مشاريع الطاقة المتجددة بالأسواق، وخلق منظومة لوجستية قادرة على خدمة الاقتصاد الجهوي والوطني والانفتاح على العمق الإفريقي.
ومع تقدم إنجاز الميناء، وظهور مناطق اقتصادية ولوجستية جديدة، ودخول الداخلة إلى خريطة الاستثمارات الكبرى في الهيدروجين الأخضر، تتشكل تدريجيا ملامح مرحلة مختلفة للجهة.
مرحلة يتحول فيها الموقع الجغرافي من مجرد امتياز طبيعي إلى أصل اقتصادي، وتتحول فيها الداخلة من نقطة على الطريق الأطلسي إلى منصة محتملة للطاقة والصناعة والتجارة بين المغرب وعمقه الإفريقي والأسواق الدولية.




