من دافوس تدار الخيوط: المغرب حاضر في دوائر القرار الدولي بهدوء وفعالية

محرر مقالات22 يناير 2026
من دافوس تدار الخيوط: المغرب حاضر في دوائر القرار الدولي بهدوء وفعالية

العيون الآن.

حمزة وتاسو / العيون.

 

في كواليس المنتدى الاقتصادي العالمي بمدينة دافوس السويسرية، التقطت لحظة دبلوماسية لافتة جمعت وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في لقاء جانبي هادئ، بعيد عن عدسات الاستعراض وضجيج التصريحات، لحظة تختزل جوهر الدبلوماسية الحديثة، حيث تدار النقاشات المؤثرة في فضاءات غير رسمية، ويصاغ القرار داخل دوائر ضيقة تتقدم فيها الواقعية السياسية على الخطاب الدعائي.

 

اللقاء الذي جرى على هامش أشغال المنتدى، لم يدرج ضمن أجندة رسمية معلنة، غير أن رمزيته تتجاوز بكثير طابعه العابر، فطبيعة الجلوس، ولغة الجسد، والانخراط المباشر في نقاش جانبي داخل فضاء دولي رفيع المستوى، توحي بأن الحديث لم يكن بروتوكوليا أو مجاملة دبلوماسية، بل تطرق إلى قضايا ذات صلة بالسلم الدولي، وتوازنات القوة، والتحولات الجيوسياسية التي يعرفها العالم في مرحلة تتسم بتعدد الأزمات وتداخل الملفات.

 

وتكتسب هذه اللحظة أهميتها من كونها جاءت في سياق دولي شديد التعقيد، حيث تتقاطع رهانات الأمن، والاقتصاد، والطاقة، والنفوذ الإقليمي، ما يجعل أي تواصل مباشر بين فاعلين مركزيين محل قراءة وتحليل داخل دوائر القرار.

 

لم يعد منتدى دافوس منذ سنوات، مجرد فضاء للنقاشات الاقتصادية والمالية، بل تحول إلى منصة غير تقليدية للدبلوماسية متعددة المسارات، حيث تلتقي السياسة بالاقتصاد، وتنسج على هامشه تفاهمات وتحالفات تتجاوز ما يعلن في البيانات الرسمية، وفي مثل هذه الفضاءات، تدار ملفات حساسة بهدوء، ويعاد ترتيب الأولويات بعيدا عن ضغط الإعلام والتجاذبات العلنية.

 

ومن هذا المنظور فإن اللقاء بين بوريطة وترامب يندرج ضمن منطق “الدبلوماسية الجانبية” التي تراهن على الاتصال المباشر، وتبادل الرسائل السياسية في لحظات محسوبة، غالبا ما تمهد لقرارات أو مواقف لاحقة.

 

يحضر المغرب في مثل هذه المحافل الدولية بدبلوماسية رصينة، راكمها عبر سنوات من العمل الهادئ، القائم على الوضوح والثبات في المواقف، دون الانخراط في خطابات انفعالية أو استعراض إعلامي، ويعد ناصر بوريطة أحد أبرز الوجوه التي جسدت هذا النهج، من خلال إدارة ملفات معقدة بمنطق الشراكة، والواقعية السياسية، واحترام منطق المصالح المتبادلة.

 

هذا الحضور الهادئ يعكس تحولا في موقع المغرب داخل المعادلات الدولية، من فاعل متابع إلى شريك يصغى إليه، ويحسب حضوره داخل دوائر التأثير، سواء تعلق الأمر بقضايا إقليمية أو برهانات الاستقرار في محيط دولي مضطرب.

 

في مقابل هذا النموذج، يبرز الفرق الواضح بين دبلوماسية تنتج الأثر داخل غرف النقاش المغلقة، وأخرى تكتفي بالشعارات والبروباغندا، ففي الوقت الذي تصنع فيه القرارات الكبرى بعيدا عن الكاميرات، لا تزال بعض الأنظمة الإقليمية تراهن على التضليل وصناعة الأوهام عبر خطاب إعلامي موجه، يفتقر إلى المصداقية ولا يملك القدرة على التأثير الفعلي في مراكز القرار الدولية.

 

ويظهر هذا التباين أن الحضور الحقيقي في الساحة الدولية لم يعد مرتبطا بحدة الخطاب أو كثافة التصريحات، بل بقدرة الدول على بناء الثقة، وإدارة المصالح، ونسج العلاقات داخل الفضاءات التي تحدد فيها اتجاهات السياسة العالمية.

 

قراءة هذه اللحظة في سياقها الأوسع تكشف أن المغرب يرسخ موقعه كفاعل هادئ ووازن في النقاشات الدولية، قادر على التواصل مع مختلف مراكز القرار، والمساهمة في صياغة مقاربات تقوم على الاستقرار والتوازن، وهو ما ينعكس على المستوى الوطني، في تعزيز موقع البلاد كشريك موثوق، وعلى المستوى الإقليمي، في دعم مقاربات التعاون بدل منطق التصعيد.

 

هكذا تؤكد دبلوماسية الهدوء التي يمثلها هذا اللقاء أن السياسة، في جوهرها تصنع بعيدا عن الضجيج، وأن التأثير الحقيقي يبدأ من حيث تنتهي الشعارات، داخل دوائر الفعل، لا منصات الاستعراض.

الاخبار العاجلة