العيون الآن
يوسف بوصولة – العيون
تواصل مدينة العيون تعزيز حضورها في المشهد العلمي والأكاديمي من خلال استضافة مؤتمرات دولية تجمع باحثين وخبراء من المغرب والخارج، في مجالات تمتد من الطب والجراحة الروبوتية إلى الذكاء الاصطناعي والابتكار التكنولوجي، في تحول يعكس تنامي دور المؤسسات الجامعية والبحثية بحاضرة الأقاليم الجنوبية للمملكة، واتساع انفتاحها على الشراكات والتجارب العلمية الدولية.
وقد برزت ملامح هذه الدينامية خلال الأسبوع الأخير من أكتوبر 2026، باحتضان المدينة المؤتمر الإفريقي للمدن الذكية والابتكار (ASCIC 2026)، خلال الفترة من 27 إلى 29 أكتوبر، والدورة الثانية للأيام الطبية المغربية الأمريكية يومي 29 و30 من الشهر نفسه، في حدثين علميين جمعا تخصصات مختلفة حول رهان مشترك يتمثل في توظيف المعرفة والتكنولوجيا لمواكبة التحولات التنموية.
وتستند هذه الحركية إلى توسع العرض الجامعي والبحثي بجهة العيون الساقية الحمراء، في سياق المشاريع التنموية التي شهدتها الأقاليم الجنوبية خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد إطلاق النموذج التنموي الجديد لهذه الأقاليم سنة 2015، والذي وضع تأهيل الرأسمال البشري وتعزيز البنيات التحتية والخدمات ضمن أولوياته.
تشكل كلية الطب والصيدلة بالعيون والمدرسة العليا للتكنولوجيا مؤسستين أساسيتين في هذا المسار، إلى جانب المدرسة الوطنية للتكنولوجيات المتقدمة، التي أعطت جامعة ابن زهر انطلاقتها البيداغوجية في شتنبر 2026، في خطوة تروم توسيع التكوين الهندسي في التخصصات التكنولوجية الحديثة.
كما يعزز المعهد الإفريقي للبحث في الزراعة المستدامة (ASARI)، التابع لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية والواقع بجماعة فم الواد بإقليم العيون، البعد البحثي لهذه المنظومة، من خلال اشتغاله على قضايا الزراعة في البيئات الجافة والمالحة وتدبير الموارد المائية والطاقية وتثمين الموارد المحلية.
وتوفر هذه المؤسسات باختلاف تخصصاتها قاعدة أكاديمية تتيح توسيع مجالات التكوين والبحث التطبيقي، واستقطاب الكفاءات وتنظيم اللقاءات العلمية، بما يربط تطور البنية الجامعية بحاجيات التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالجهة.
أما على مستوى التعاون الطبي الدولي، فقد احتضنت كلية الطب والصيدلة بالعيون الدورة الثانية للأيام الطبية المغربية الأمريكية، بمشاركة أطباء وأساتذة وباحثين من البلدين، في لقاء علمي ركز على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي، والجراحة الروبوتية، وتقنيات التشخيص والعلاج الحديثة.
وتضمن برنامج التظاهرة جلسات علمية وورشات تطبيقية تناولت عددا من التخصصات الطبية، بينها طب النساء والأورام وأمراض القلب والجراحة عن بعد، إلى جانب توقيع مذكرتي تفاهم للتعاون مع مؤسستين أمريكيتين، بما يفتح آفاقا لتبادل الخبرات وتطوير التكوين والبحث الطبي المشترك. 
وبموازاة ذلك احتضنت العيون النسخة الأولى من المؤتمر الإفريقي للمدن الذكية والابتكار، المنظم بشراكة أكاديمية بين جامعتي ابن زهر وعبد المالك السعدي، وبتنسيق مع المدرستين العليتين للتكنولوجيا بالعيون وتطوان، تحت شعار “التحول الذكي: توظيف التقنيات الرقمية من أجل حكامة مستدامة”.
وجمع هذا الموعد العلمي باحثين وخبراء ومهنيين لمناقشة توظيف الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والتقنيات الرقمية في تطوير المدن الإفريقية، وتحسين تدبير الخدمات والبنيات التحتية، إلى جانب قضايا الأمن السيبراني والاستدامة البيئية والحكامة الحضرية.
ولم تقتصر أشغال المؤتمر على العروض الأكاديمية، بل شمل برنامجه جلسات للنقاش وورشات تقنية وفضاءات للتواصل بين الباحثين والمهنيين، إضافة إلى مسابقة للابتكار موجهة إلى الطلبة، بهدف تشجيع تطوير حلول رقمية تستجيب للتحديات التي تواجهها المدن الإفريقية. 
ويعكس تقارب هذين الموعدين الدوليين اتساع مجالات النشاط العلمي بمدينة العيون، وانتقال الاهتمام من التكوين الجامعي التقليدي إلى موضوعات أكثر ارتباطا بالتحولات التكنولوجية والاقتصادية، خاصة أن الطب الرقمي والذكاء الاصطناعي والهندسة والبحث الزراعي أصبحت مجالات متقاطعة تتيح فرصاً لتطوير مشاريع بحثية مشتركة.
كما يمنح هذا الانفتاح الطلبة والباحثين والأطر المحلية فرصا للاحتكاك بالتجارب الدولية، وبناء علاقات أكاديمية مع مؤسسات وخبراء من خارج المملكة، في وقت تتزايد فيه أهمية البحث التطبيقي والابتكار في معالجة الإشكالات المرتبطة بالصحة والموارد الطبيعية والتدبير الحضري والتنمية المستدامة.
تتجاوز أهمية هذه الدينامية البعد العلمي المباشر بالنظر إلى ما تتيحه من إمكانات لتعزيز التعاون بين المؤسسات المغربية ونظيراتها الإفريقية والدولية، وتوسيع حضور العيون في شبكات البحث والتكوين، بما ينسجم مع موقع الأقاليم الجنوبية ضمن التوجه المغربي نحو تعزيز الشراكات مع القارة الإفريقية.
غير أن هذا التحول يطرح في المقابل تحديا أساسيا يتمثل في قدرة المؤسسات الجامعية والبحثية على تحويل المؤتمرات والاتفاقيات إلى مشاريع علمية مستدامة، وبرامج للتكوين ونقل التكنولوجيا، وأبحاث تطبيقية ذات أثر ملموس على الاقتصاد المحلي وجودة الخدمات.
فالإشعاع الأكاديمي لا يقاس فقط بعدد التظاهرات الدولية التي تحتضنها المدينة، وإنما أيضا بحجم الإنتاج العلمي والشراكات المنجزة، ومدى مساهمة نتائج البحث في تطوير القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، وفتح آفاق جديدة أمام الطلبة والباحثين والكفاءات الشابة.
وبين توسع المؤسسات الجامعية وتنوع اللقاءات الدولية، تتشكل بمدينة العيون ملامح منظومة علمية وبحثية آخذة في التطور، تتيح للأقاليم الجنوبية فرصة لتعزيز حضورها في مجالات المعرفة والابتكار، شريطة مواكبة هذا المسار باستثمارات مستدامة في البحث العلمي والموارد البشرية، وربط مخرجاته بالحاجيات الفعلية للتنمية الجهوية.











