العيون الآن
الحافظ ملعين ـ العيون
مقذوفات السمارة.. عندما يتحول العجز السياسي إلى تهديد لأمن المدنيين..
لم يكن سقوط ثلاثة مقذوفات بمحيط مدينة السمارة حادثا عابرا يمكن المرور عليه بسرعة، بل شكل لحظة أعادت إلى الواجهة من يحاول يهدد الأمن والاستقرار بالأقاليم الجنوبية، وطرحت مجددا طبيعة الرسائل التي تحاول جبهة الانفصال تمريرها كلما اشتد عليها الخناق السياسي والدبلوماسي.
ففي الوقت الذي تتجه فيه القضية نحو مزيد من النقاش الدولي الجاد، والبحث عن الحل الواقعي وقابليته للتنفيذ، اختارت الجبهة مرة أخرى لغة التصعيد الميداني، في خطوة تبدو بعيدة عن منطق الحكمة والمسؤولية السياسية.
المقذوفات التي سقطت في ثلاثة مواقع متفرقة بمحيط السمارة لم تخلف، لحسن الحظ، خسائر بشرية أو أضرارا مادية كبيرة، غير أن خطورتها الحقيقية لا تكمن فقط في نتائجها المباشرة، بل في طبيعة الفعل ذاته، باعتباره استهدافا لمحيط مدينة مدنية مأهولة بالسكان.
هذا النوع من الأفعال لا يمكن فصله عن حالة الارتباك التي تعيشها قيادة البوليساريو الانفصالية في المرحلة الراهنة، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها ملف الصحراء المغربية على المستوى الدولي. فقد أصبحت الجبهة تدرك، أكثر من أي وقت مضى، أن هامش المناورة يضيق، وأن الرهانات القديمة التي بنت عليها خطابها السياسي لم تعد تجد الصدى نفسه أو التأثير ذاته.
أمام هذا الواقع، يبدو أن خيار التصعيد أصبح بالنسبة للجبهة وسيلة للهروب إلى الأمام، ومحاولة لإثبات الحضور عبر خلق التوتر بدل تقديم رؤية سياسية قابلة للحياة. غير أن مثل هذه التحركات لم تعد قادرة على تغيير مسار الملف أو إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لأن التحولات الجارية اليوم أعمق من أن تربكها مقذوفات متفرقة أو رسائل محدودة الأثر.
فالمنتظم الدولي بات أكثر ميلا إلى دعم الحل الواقعي الذي يضمن الاستقرار ويحفظ مصالح المنطقة، بعيدا عن منطق النزاعات المفتوحة واستدامة التوتر. وفي هذا السياق، يواصل مقترح الحكم الذاتي الذي تقدمت به المملكة المغربية تعزيز موقعه باعتباره أرضية جدية وذات مصداقية لتسوية هذا النزاع الإقليمي المفتعل الذي عمر نصف قرن في ردهات ورفوف مجلس الامن.
في المقابل، تبدو الجبهة غارقة في تناقضات داخلية متزايدة، سواء على مستوى تدبير المخيمات المتصدعة أو في ما يتعلق بإقناع الأجيال الجديدة بالاستمرار في تبني الخطاب نفسه والوعود المؤجلة ذاتها منذ عقود. كما أن استمرار الوجوه نفسها في الواجهة لعقود طويلة يعكس أزمة بنيوية مرتبطة بغياب التجديد وضعف القدرة على إنتاج بدائل سياسية جديدة.
ومن هنا، يصبح اللجوء إلى التصعيد محاولة لتصدير الأزمات الداخلية نحو الخارج، وصرف الانتباه عن الأسئلة الحقيقية المرتبطة بمستقبل المخيمات وسكانها. غير أن استهداف محيط المدن أو تعريض المدنيين للخطر، حتى وإن لم يسفر عن ضحايا، يظل سلوكا مرفوضا ومدانا، لأنه يتجاوز حدود الرسائل السياسية إلى المساس المباشر بإحساس المواطنين بالأمن والطمأنينة.
فالسمارة ليست مجرد نقطة جغرافية في معادلة النزاع المفتعل، بل مدينة يعيش فيها مواطنون صحراويون مغاربة لهم الحق الكامل في الأمن والاستقرار وممارسة حياتهم اليومية بعيدا عن منطق التهديد. وقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الأقاليم الجنوبية دخلت مرحلة جديدة عنوانها التنمية، وتعزيز البنيات التحتية، وجذب الاستثمارات، ما جعلها جزءا من دينامية وطنية واضحة المعالم.
لذلك، فإن محاولات التشويش عبر المقذوفات أو التهديدات لم تعد سوى ردود فعل مرتبكة أمام واقع يتغير بسرعة ويفرض معطيات جديدة على مختلف الفاعلين. فمقذوفات السمارة قد تثير الانتباه لساعات أو أيام، لكنها لا تملك القدرة على تعطيل مسار سياسي ودبلوماسي يتجه نحو مزيد من الوضوح والحسم.
ولعل أخطر ما تفرزه مثل هذه الهجمات هو منح مزيد من المبررات للأصوات الدولية، خاصة داخل الولايات المتحدة الأمريكية، التي باتت تدعو بشكل متزايد إلى إعادة النظر في طبيعة جبهة البوليساريو وتصنيفها تنظيما إرهابيا. فاستهداف محيط مدنيين وإطلاق مقذوفات قرب مناطق مأهولة يعزز سردية تعتبر أن الجبهة تجاوزت منطق النزاع السياسي نحو ممارسات تقترب من أساليب الجماعات التي توظف التهديد والترهيب لفرض حضورها.
لذلك، فإن مثل هذه العمليات لا تخدم صورتها دوليا، بل تدفع نحو توسيع النقاش بشأن اعتبارها فاعلا مهددا لأمن واستقرار المنطقة، في سياق إقليمي شديد الحساسية يتسم بتصاعد المخاطر الأمنية بمنطقة الساحل والصحراء.











