العيون الآن
يوسف بوصولة _ العيون
مصطفى سلمى يفك صمته: “الصحراويون مغيّبون.. والبوليساريو سجنت العقول..
بعد صمت دام لسنوات، يعود مصطفى سلمى ولد سيدي مولود القائد الأمني السابق في جبهة البوليساريو، ليكشف معطيات مثيرة عن واقع مخيمات تندوف وتطورات ملف الصحراء، مسجلا موقفا حاسما من المبادرة المغربية للحكم الذاتي، معتبرا أن “الصحراويين لم يمنحوا يوما الحق في التعبير الحر”، وأن البوليساريو “حركة بلا مشروع” وأن الجزائر “سجنت العقول قبل الأجساد”.
في حوار مطول أجرته معه مجموعة “تيلكيل”، تحدث مصطفى سلمى الذي كان يشغل منصب المسؤول الأول عن التحقيقات الجنائية في البوليساريو – عن لحظة تحوّله الجذري سنة 2010 حين زار المغرب لأول مرة، واطلع بنفسه على الأوضاع في الأقاليم الجنوبية.
ولد سيدي مولود الذي اعتقل بعد إعلانه تأييد المبادرة المغربية، قال إن الصورة التي ترسخت في ذهنه داخل المخيمات حول المغرب “سوداوية ومضللة”، مشيرا إلى أنه عند دخوله إلى مدينة السمارة اكتشف “مجتمعا متعايشا وواقعا مغايرا تماما لما كانت تروج له قيادة الجبهة”.
وأضاف: “لم أتعرض لأي مضايقة خلال تنقلي في الصحراء، ووجدت والدي وأهلي يعيشون بكرامة” معتبرا أن التعايش ممكن وأن مشروع الدولة الصحراوية “غير واقعي لا استراتيجياً ولا ديمغرافياً”.
يرى ولد سيدي مولود أن ما تنص عليه المبادرة المغربية يتطابق من حيث الجوهر مع الواقع الذي يعيشه سكان المخيمات منذ عقود قائلا: “ما الفرق بين ما تنص عليه المبادرة المغربية، والوضع الحالي داخل المخيمات في الجزائر؟ لا فرق. المخيمات كيان داخل دولة جزائرية. الدولة حتفظ بالسيادة في السياسة الخارجية والدفاع والأمن، وهذا هو جوهر المبادرة المغربية. إذن، نحن نعيش منذ خمسين عاما في حكم ذاتي، لكن تحت سيادة الجزائر.”.
وأشار إلى أن “الصحراويين مغيبون، ليس فقط عبر القمع الجسدي بل عبر مصادرة الفكر وفرض رأي واحد منذ أكثر من خمسين سنة”، موضحا أن البوليساريو “منظمة بلا لون سياسي، تفتقر لأي مضمون فكري، وتستند فقط إلى الولاء القبلي”.
في معرض تحليله لواقع المخيمات وصفها مصطفى سلمى بأنها “مجتمع مغلق تحكمه روابط قبلية صارمة”، مؤكداً أن “الولاء في المخيمات ليس للجبهة بل للقبيلة”، وأن البوليساريو تفتقر إلى قاعدة اجتماعية حقيقية.
وأضاف: “من يؤمن بالاستقلال لا يملكه كقناعة فكرية، بل كحلم شخصي بالعودة إلى أراضيه”، مبرزا أن أي صوت مخالف داخل المخيمات يتم إسكاته بالعزل أو النفي كما حدث معه شخصيا.
روى القائد الأمني السابق تفاصيل اعتقاله بعد عودته من المغرب قائلا: “لم أُعتقل بسبب جريمة، بل بسبب رأي. وكانوا يخشون أن تنتقل القناعة التي كوّنتها إلى قبيلتي الركيبات، التي تشكّل أكثر من نصف سكان المخيمات”.
وأكد أنه تم توقيفه على بعد 400 كيلومتر من المخيمات، في المنطقة العازلة، لأن السماح له بالدخول “كان سيشكل زلزالا داخليا” بحسب تعبيره.
نفى مصطفى سلمى وجود جناح عسكري حقيقي داخل البوليساريو، معتبرا أن ما يسمى “الجيش” هو مجرد هيكل مشوش، يدار من قِبل نفس الأشخاص الذين يتنقلون بين المناصب الوزارية والدبلوماسية والعسكرية.
شدد على أن “إعادة إدماج المقاتلين في حال التسوية لا يشكّل خطرا، لأنهم لا يحملون عقيدة عسكرية أصالا”، مؤكدا أن “كل التمردات التي حصلت كانت مدنية أو ذات طابع قبلي وليست عسكرية”.
وصف مصطفى سلمى القرار الموريتاني الأخير بمنع تحركات البوليساريو العسكرية عبر أراضيها بأنه “أقوى دعم فعلي للمغرب”، معتبرا أنه يُشكّل تطويقا ميدانيا للجبهة، التي لم يعد أمامها سوى هامش ضيق بين الجزائر والحزام الدفاعي المغربي.
وأشار إلى أن المواقف الدولية الداعمة للمبادرة المغربية، وإن كانت قوية “تظل رهينة الحسابات البراغماتية”، محذرا من التسرع في التعويل على مواقف الدول الكبرى دون تأمين الأرضية السياسية الداخلية.
في قراءة عميقة لأصول النزاع، قال ولد سيدي مولود إن “الخوف من الجيوش هو ما دفع آلاف الصحراويين إلى الفرار نحو الجزائر سنة 1975، وليس إيمانهم بالمشروع الانفصالي” لافتاً إلى أن “البوليساريو استغلت هذا الخوف لتأسيس سردية سياسية غير واقعية”.
ووصف “الدولة الصحراوية” بأنها “صنم رمزي صنعته الجزائر تماما كما صنع السامري عجالا لبني إسرائيل”، مؤكداً أن الكيان المعلن داخل المخيمات “مجرد واجهة تفتقر إلى أي سيادة حقيقية”.
رغم إقامته القسرية في موريتانيا، يصر مصطفى سلمى ولد سيدي مولود على الاستمرار في إيصال صوته، معتبرا أن الصحراء “جزء لا يتجزأ من المغرب”، وأن الهوية الصحراوية “محفوظة ومكرسة في الدستور المغربي” مشيرا إلى أن “التفاهم مع الدولة المغربية ليس خيانة بل عودة إلى الأصل”.
ويختم قائلا: “نحن لسنا مرتزقة نحن أبناء الصحراء، نبحث عن الحقيقة وعن مستقبل يحفظ كرامة الجميع”.











