مشروع “Power-to-X” بطرفاية: رهان مغربي على ريادة الطاقات النظيفة وتحول صناعي غير مسبوق

محرر مقالات12 نوفمبر 2025
مشروع “Power-to-X” بطرفاية: رهان مغربي على ريادة الطاقات النظيفة وتحول صناعي غير مسبوق

العيون الآن.

يوسف بوصولة – العيون

 

يتقدم المغرب بثقة في سباق عالمي محموم نحو اقتصاد خال من الكربون، من خلال مشروع “Power-to-X” بطرفاية، الذي تطوره مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط بشراكة مع شركة Worley العالمية عبر ذراعها الهندسي JESA. المشروع الذي وضع قيد التصميم الهندسي خلال الربع الثالث من سنة 2024، يعد خطوة غير مسبوقة على المستويين الوطني والدولي، لكونه أول برنامج متكامل يجمع بين إنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء على نطاق صناعي ضخم، بطاقة إنتاجية أولية تصل إلى مليون طن سنويا من الأمونيا الخضراء، مع قابلية التوسع إلى ثلاثة ملايين طن في أفق سنة 2032.

اختيار طرفاية، لم يكن مجرد قرار تقني بل رؤية جيوطاقية مدروسة تستثمر الموقع الاستراتيجي للمغرب، وموارده الشمسية والريحية الهائلة، لبناء اقتصاد أخضر متكامل في قلب الأقاليم الجنوبية. فالمشروع يعتمد كليا على الطاقة المتجددة لإنتاج الهيدروجين عبر محطات شمسية بطاقة 1.2 غيغاواط، وحظائر ريحية بطاقة 2.6 غيغاواط، إضافة إلى محطة تحلية مياه البحر بقدرة تبلغ نحو 60 مليون متر مكعب سنويا، لتوفير الماء الضروري للتحليل الكهربائي الذي ينتج الهيدروجين الأخضر، والذي يحول لاحقا إلى أمونيا خضراء قابلة للتصدير أو للاستعمال الصناعي المحلي.

 

يمثل المشروع العملاق الذي يتوقع أن يدخل مرحلة التشغيل في أفق 2027 باستثمار يقدر بحوالي 7 مليارات دولار، أحد أعمدة برنامج “الاستثمار الأخضر 2023-2027” لمجموعة OCP، ضمن استراتيجيتها لبلوغ الحياد الكربوني الكامل بحلول عام 2040. وتستفيد منه المملكة ليس فقط في تقليص وارداتها من الأمونيا كمادة أولية لإنتاج الأسمدة، بل في تعزيز سيادتها الطاقية والصناعية، وإعادة رسم توازن ميزانها الكيماوي، عبر تحويلها من مستورد للمواد الخام إلى مصدر للتكنولوجيا والقيمة المضافة.

 

من الناحية الهيكلية يتضمن مشروع طرفاية منشآت متكاملة تضم مجمعا لإنتاج الهيدروجين عبر وحدات التحليل الكهربائي، ومصنعا ضخما للأمونيا الخضراء، ومحطة تحلية مياه، وشبكات نقل للطاقة والربط الكهربائي، إلى جانب ميناء خاص لتخزين وشحن المنتجات. كما تم برمجة مدينة سكنية متكاملة ومرافق لوجستية لاستقبال ما يقارب ثلاثين ألف عامل خلال مرحلة الإنشاء، في مؤشر على الأثر الاجتماعي والاقتصادي الكبير للمشروع داخل الأقاليم الجنوبية.

 

ويرى محللون أن ما يجعل المشروع المغربي فريدا هو أنه لا يقتصر على البعد التكنولوجي أو التصديري، بل يحمل طموحا لتوطين صناعة الطاقة النظيفة داخل البلاد، وخلق منظومة اقتصادية متكاملة حول الهيدروجين والأمونيا، تشمل البحث العلمي، وتطوير الصناعات المساندة، وتكوين الكفاءات الوطنية في مجالات الهندسة الكيميائية والطاقة المتقدمة. ومع ذلك، تظل بعض التساؤلات قائمة حول حجم الاستفادة المحلية المباشرة، وكيفية ترجمة هذا الاستثمار إلى انخفاض في تكلفة الطاقة داخليا، أو دعم الصناعة الوطنية بدل الاكتفاء بالتصدير نحو العالم.

 

لكن رغم هذه التساؤلات، يبقى المشروع نموذجا متقدما للتحول الطاقي العميق الذي يقوده المغرب. فبفضل شراكته بين OCP وWorley، وتحالفه الأوروبي-الإفريقي في مجال الهيدروجين الأخضر، يتحول الجنوب المغربي إلى مختبر للطاقة المستقبلية، ومركز إشعاع صناعي جديد يربط بين الابتكار والتصنيع والاندماج القاري. كما يشكل هذا الاستثمار ركيزة لبناء شبكة اقتصادية مستدامة تستند إلى الطاقات المتجددة وتحلية المياه، وتعزز العدالة المجالية من خلال توفير فرص الشغل وتثمين الموارد المحلية.

 

المغرب، الذي راكم تجربة مبهرة في مشاريع الطاقة الشمسية والريحية، يخطو اليوم نحو مرحلة أكثر عمقا: مرحلة إنتاج وتصدير المعرفة الصناعية. مشروع طرفاية ليس فقط استثمارا في الطاقة النظيفة، بل في المستقبل نفسه؛ لأنه يضع المملكة في موقع المنتج وليس المزود، وفي قلب التحول العالمي نحو اقتصاد هيدروجيني متوازن ومستدام.

الاخبار العاجلة