مدريد تخلع قناعها…دعوة تبون تكشف الوجه الحقيقي لإسبانيا في صراعها مع المغرب

محرر مقالات7 سبتمبر 2026
مدريد تخلع قناعها…دعوة تبون تكشف الوجه الحقيقي لإسبانيا في صراعها مع المغرب

العيون الآن.

حمزة وتاسو – العيون.

 

في ذروة التوتر السياسي بين الرباط ومدريد، تتجه إسبانيا إلى فتح أبوابها أمام الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في زيارة دولة مرتقبة خلال أكتوبر المقبل، بدعوة من الملك فيليبي السادس ورئيس الحكومة بيدرو سانشيز، وفق ما أوردته مصادر إعلامية نقلا عن مصادر دبلوماسية، وتأتي الخطوة بعد الزيارة التي قادها سانشيز إلى الجزائر في يوليوز الماضي، وبعد أسابيع فقط من عودة ملف سبتة ومليلية إلى واجهة التوتر بين البلدين.

 

التوقيت هنا ليس تفصيلا بروتوكوليا، فمدريد لا تستقبل تبون في ظرف عادي، وإنما في لحظة بلغت فيها المواجهة السياسية مع الرباط مستوى غير مسبوق، خصوصا بعد التصريحات والمواقف الصادرة من داخل البرلمان الإسباني بشأن المغرب، وفي مقدمتها تأكيد سانشيز أن سبتة ومليلية مدينتان إسبانيتان وستظلان كذلك، وهي عبارة تعكس تمسكا إسبانيا صريحا باستمرار السيطرة على مدينتين يعتبرهما المغرب جزءا من ترابه الوطني.

والمفارقة أن مدريد، التي تتحدث عن احترام السيادة ووحدة الأراضي، تفعل ذلك وهي تمارس سيادة فعلية على سبتة ومليلية المدينتين المغربيتين المحتلتين منذ قرون، وترفض حتى إدراج وضعيتهما ضمن نقاش سياسي جدي مع الرباط، وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات السياسة الإسبانية وضوحا: الدفاع الصارم عن مبدأ السيادة حين يتعلق الأمر بالأراضي التي تسيطر عليها، والصمت حين يتعلق الأمر بحق المغرب في إثارة قضية مدينتين واقعتين تحت الاحتلال الإسباني.

 

الأكثر دلالة أن التقارب الإسباني الجزائري يأتي بعد سنوات من توتر حاد بين مدريد والجزائر، أعقب قرار الحكومة الإسبانية دعم مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب لتسوية نزاع الصحراء، لكن العلاقات بين مدريد والجزائر عادت تدريجيا إلى مسار التطبيع، وصولا إلى زيارة سانشيز للجزائر في يوليوز الماضي، وإعادة تنشيط الشراكة الثنائية، بما في ذلك ملفات الطاقة والتجارة والأمن والهجرة.

 

ومن هذه الزاوية، لا تبدو دعوة تبون مجرد استحقاق دبلوماسي مؤجل، بل جزءا من إعادة ترتيب إسبانية للأوراق في المغرب العربي، فالجزائر بالنسبة إلى مدريد شريك طاقي وأمني مهم، والمغرب شريك اقتصادي وأمني واستراتيجي لا تستطيع إسبانيا تجاهله ولذلك تبدو السياسة الإسبانية أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على مصالحها مع الرباط، بالتوازي مع إعادة بناء علاقة متقدمة مع الجزائر.

 

غير أن الرسالة السياسية الأوضح تكمن في أن مدريد لم تعد تخفي هذا المسار خلف قنوات دبلوماسية هادئة، فخبر زيارة تبون ظهر في وسائل إعلام متخصصة في الشؤون الاستخباراتية والدبلوماسية قبل أن يتحول إلى قضية معلنة في المشهد السياسي والإعلامي الإسباني، وهو ما يطرح سؤالا مشروعا حول طبيعة التسريب وتوقيته والجهة التي أرادت أن يصل منها الخبر إلى الرأي العام.

 

والسؤال الأكثر إحراجا لمدريد ليس فقط لماذا تستقبل تبون، وإنما لماذا خرج خبر الزيارة بهذه السرعة، ومن كان يريد أن يبعث برسالة سياسية عبر تسريبه قبل اكتمال الإعلان الرسمي ؟ هل يتعلق الأمر بتسريب دبلوماسي محسوب لتهيئة الأرضية السياسية للزيارة ؟ أم برسالة ضغط موجهة إلى الرباط ؟ أم بإعادة تموضع إسباني يراد له أن يكون واضحا ومكشوفا ؟

 

وفي المقابل تبدو قضية سبتة ومليلية كاشفة للتناقض الأعمق في الخطاب الإسباني، فبدلا من أن تكون هذه القضية مدخلا لحوار سياسي مسؤول بين دولتين جارتين، تحولت إلى خط أحمر إسباني كلما أثارت الرباط مسألة المدينتين، بينما تتعامل مدريد مع قضايا السيادة في محيطها المغاربي من منظور مختلف تماما.

 

أما الرهان الإسباني على استخدام الورقة الجزائرية في مواجهة المغرب، فيبقى رهانا محفوفا بالحسابات فالعلاقة المغربية الإسبانية لم تعد محكومة فقط بالخلافات السياسية، وإنما بشبكة واسعة من المصالح التجارية والأمنية والهجرة والاستثمارات والروابط الإنسانية، وهو ما يجعل أي محاولة لإدارة العلاقة بمنطق الضغط المتبادل أكثر تعقيدا مما تبدو عليه في الخطاب السياسي.

 

وما يزيد المشهد دلالة أن سانشيز نفسه اضطر أمام البرلمان الإسباني إلى الإقرار بعدم وجود أدلة قاطعة تثبت أن المغرب خطط أو دبر أزمة التدفق نحو سبتة، في وقت كانت فيه أصوات سياسية إسبانية تدفع باتجاه تحميل الرباط مسؤولية ما جرى، وهذا المعطى يكشف أن جزءا من السردية السياسية التي حاولت تصوير المغرب باعتباره الطرف المسؤول عن الأزمة لم يجد حتى الآن، ما يكفي من الأدلة الرسمية التي تسمح بتحويله إلى حقيقة مثبتة.

 

وفي هذا السياق يصبح قرار استقبال تبون أكثر من مجرد خطوة في العلاقات الجزائرية الإسبانية، إنه مؤشر على أن مدريد اختارت إدارة صراعها السياسي مع الرباط بأدوات مكشوفة، عبر إعادة تفعيل العلاقة مع الجزائر في اللحظة التي تعيش فيها علاقتها بالمغرب واحدة من أكثر مراحلها توترا.

 

لكن السياسة الخارجية لا تقاس بالتصريحات وحدها بل بالنتائج، وما ستكشفه الأشهر المقبلة هو ما إذا كانت مدريد قادرة فعلا على تحويل التقارب مع الجزائر إلى ورقة ضغط مؤثرة على المغرب، أم أن الأمر لا يعدو محاولة لإعادة بناء توازن إسباني داخل مغرب عربي شديد التعقيد.

 

وفي جميع الأحوال فإن استقبال تبون، إذا تأكد رسميا بصيغة زيارة دولة، يضع مدريد أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع الجمع بين شراكتها الاستراتيجية مع المغرب وتقاربها المتسارع مع الجزائر، أم أنها بصدد العودة إلى سياسة المحاور والمناورات التي أثبتت التجربة أنها لا تنتج استقرارا دائما ؟

 

المؤكد أن سبتة ومليلية ستبقيان في قلب هذه المعادلة فهما بالنسبة إلى المغرب مدينتان محتلتان، وبالنسبة إلى إسبانيا آخر بقايا حضور استعماري في الضفة الجنوبية للمتوسط، وبين الموقفين يستمر الصراع السياسي حول تعريف السيادة وحدودها، بينما تتحرك مدريد والرباط والجزائر على رقعة مغاربية لم تعد تقبل كثيرا بسياسات المنطقة الرمادية.

 

وهنا تكمن المفارقة الأكبر: كلما اختارت مدريد اللعب على المكشوف، أصبح من الأسهل قراءة أوراقها وكلما اتجهت إلى بناء تحالفات ظرفية لمواجهة الرباط، كشفت في المقابل عن حجم التوتر الذي يحكم مقاربتها للعلاقة مع المغرب.

 

دعوة تبون بهذا المعنى، ليست نهاية المعركة، بل إعلان عن انتقالها إلى مرحلة أكثر وضوحا، مدريد اختارت أن تظهر أوراقها، والرباط باتت أمام مشهد أقل التباسا: جار أوروبي يتمسك بالسيطرة على سبتة ومليلية، ويعيد بناء علاقته بالجزائر، فيما يواصل المغرب تثبيت موقعه الإقليمي والدولي بعيدا عن منطق الاستجابة لكل استفزاز سياسي.

الاخبار العاجلة