العيون الآن
يوسف بوصولة
افتتحت اليوم الجمعة بالرباط أشغال الجمعية العامة السنوية الثالثة لمؤتمر رؤساء البرلمانات والمؤسسات التشريعية الإفريقية (CoSPAL)، بكلمة ألقاها لحسن حداد نيابة عن رئيس مجلس المستشارين محمد ولد الرشيد، حملت رسائل سياسية واضحة حول موقع القارة في خضم التحولات الدولية المتسارعة، ودور المؤسسات التشريعية في بناء إفريقيا أكثر قدرة على المبادرة والتأثير.
الكلمة التي تأتي في ظرف دولي يتسم بتراجع اليقينيات واتساع بؤر التوتر وتزايد الأزمات العابرة للحدود، أعادت التأكيد على أن القارة الإفريقية لم تعد “موضوعا” في العلاقات الدولية، بل أصبحت مطالبة بالتحول إلى فاعل قادر على صياغة قراراته وفق مصالحه الاستراتيجية. وهي رؤية انسجمت مع التوجيهات الملكية التي شددت في أكثر من محطة، على أن إفريقيا «تتحمل مسؤوليتها» داخل النظام العالمي الجديد.
في هذا السياق بدا لافتا تركيز مجلس المستشارين على مفهوم “الريادة التشريعية” باعتبارها شرطا لبناء سياسات عمومية قارية أكثر ذكاءً، وقدرة على تحويل التحديات إلى فرص، سواء في ملفات الأمن الطاقي، والمناخ، والاندماج الاقتصادي، أو في إدارة التحولات الديموغرافية التي تعيشها القارة. كما دعمت الكلمة العمل على تطوير دبلوماسية برلمانية إفريقية أكثر تنسيقا وتأثيرا، بما يجعل صوت المؤسسات التشريعية قوة اقتراح داخل المحافل الدولية، لا مجرد امتداد للسلطات التنفيذية.
تعكس هذه الرسائل محاولة مغربية واضحة لإعادة تموقع البرلمان داخل الدينامية الإفريقية الجديدة. فهي تؤطر لانخراط المملكة في النقاش حول إصلاح المؤسسات القارية، وتبرز الدور المتنامي للدبلوماسية البرلمانية المغربية، خصوصا بعد تراكم تجارب بارزة في ملفات الهجرة، والمناخ، والتعاون جنوب جنوب، ومبادرات كبرى مثل مبادرة “إفريقيا الأطلسية” ومشروع أنبوب الغاز نيجيريا المغرب.
كما أن دعم مجلس المستشارين لاعتماد «إعلان الرباط» كمرجعية للريادة التشريعية في إفريقيا يعكس رغبة في تثبيت العاصمة المغربية كمنصة مؤسساتية قارية، وفي منح CoSPAL إطارا عمليا للتنسيق التشريعي، وتوسيع برامج التوأمة البرلمانية وتبادل الخبرات، إضافة إلى تطوير منصات خاصة بالتشريع في مجالات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة، وهي ملفات تعد مفاتيح النفوذ في النظام العالمي المتشكل.
المؤتمر، الذي جاء قبيل أيام من احتضان المغرب لكأس إفريقيا 2025 بدا أيضا مناسبة لتعزيز صورة المملكة كحلقة وصل بين دول القارة، وكفاعل يتوفر على رؤية استراتيجية تجمع بين الإصلاح الداخلي والانخراط القاري. وبينما يناقش المشاركون قضايا السيادة الاقتصادية وبناء مؤسسات قوية، تبدو الرباط حريصة على توجيه النقاش نحو مقاربة تتجاوز رد الفعل، وتمنح البرلمانات الإفريقية قدرة حقيقية على صناعة القرار وتحصين مصالح الشعوب.
هذه الرسائل في جوهرها تظهر تحول البرلمان من مؤسسة تشريعية داخلية إلى منصة تأثير خارجي، وهو تحول ينسجم مع طبيعة المرحلة التي تعيشها القارة، ومع حاجة إفريقيا إلى صوت موحد داخل عالم مضطرب ومتغير.











