مجلس الشيوخ الإسباني يعيد ملف الحدود البحرية مع المغرب إلى الواجهة ويدفع نحو اعتراف دولي بالكناري كأرخبيل

محرر مقالات1 أكتوبر 2026
مجلس الشيوخ الإسباني يعيد ملف الحدود البحرية مع المغرب إلى الواجهة ويدفع نحو اعتراف دولي بالكناري كأرخبيل

العيون الآن 

 

حمزة وتاسو – العيون.

 

صادقت اللجنة المعنية بالمجتمعات ذاتية الحكم بمجلس الشيوخ الإسباني صباح الخميس، على مقترح غير تشريعي يدعو حكومة مدريد إلى إعادة تفعيل فريق العمل المكلف بتحديد المجالات والمساحات البحرية بين إسبانيا والمغرب، بالتوازي مع الدفع نحو ما وصفه المقترح بـ”الاعتراف الدولي بجزر الكناري كأرخبيل كامل الحقوق”، وحظي المقترح بعد إدخال تعديل توافقي عليه، بتأييد 35 سيناتورا، مقابل رفض 18 وامتناع سيناتور واحد عن التصويت، في خطوة تعيد ملف الحدود البحرية بين البلدين إلى واجهة النقاش السياسي الإسباني.

 

ويستند المقترح الذي تقدمت به المجموعة البرلمانية التعددية في مجلس الشيوخ، إلى اعتبار مسألة ترسيم المجالات البحرية بين إسبانيا والمغرب ذات أبعاد تتجاوز الحسابات المحلية لجزر الكناري، بالنظر إلى ما يرتبط بها من اعتبارات جيوسياسية واقتصادية وبيئية، ولا سيما في ظل تنامي الاهتمام بالموارد المعدنية الموجودة في قاع المحيط الأطلسي.

 

ويعيد هذا التطور إلى الواجهة مبادرة سبق أن تقدم بها السيناتور أنيسيتو خافيير أرماس غونزاليس في مارس 2024، حين دعا الحكومة الإسبانية إلى تسريع مسار تحديد الحدود البحرية لجزر الكناري مع المغرب، والعمل على تعزيز الاعتراف الدولي بالكناري ضمن تصور قانوني تعتبره الوثيقة الإسبانية أكثر اتساقا مع طبيعة الأرخبيل.

 

ويستند هذا الطرح إلى قانون إسباني صدر في 30 دجنبر 2010 بشأن المياه الكنارية، وهو القانون الذي أدرج مسألة المياه المحيطة بالأرخبيل ضمن الإطار القانوني الإسباني، مع التنصيص على احترام القانون الدولي، كما تشير الوثائق البرلمانية الإسبانية إلى أن ملف تحديد المياه الكنارية ظل موضوعا لعدد كبير من المبادرات السياسية داخل المؤسسات الإسبانية خلال عقود.

 

وتكتسي الإحالة على القانون الدولي للبحار أهمية خاصة في هذا السياق، إذ تنظم اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الوضع القانوني للدول الأرخبيلية، وتحدد في مادتها 46 مفهوم “الدولة الأرخبيلية”، فيما تنص المادة 47 على قواعد رسم الخطوط الأساسية الأرخبيلية، ويترتب على هذا الوضع نظام قانوني خاص للمياه الواقعة داخل تلك الخطوط.

 

ويربط أصحاب المقترح الإسباني هذا الملف أيضا بالتطورات المرتبطة بجبل تروبيك، الواقع في المحيط الأطلسي، والذي أصبح يحظى باهتمام متزايد بسبب الحديث عن وجود رواسب من معادن استراتيجية، بينها التيلوريوم والكوبالت وعناصر أخرى من المعادن النادرة، ووفقا للمذكرة التي سبق أن قدمها أرماس غونزاليس، فإن هذه الموارد تمنح مسألة تحديد المجالات البحرية بعدا اقتصاديا واستراتيجيا متزايدا، في وقت تسعى فيه القوى الدولية إلى تأمين سلاسل إمداد مستقرة للمواد الخام الحرجة.

 

ويطرح المقترح في هذا الإطار فكرة أن تعزيز حضور الاتحاد الأوروبي في هذه المنطقة البحرية يمكن أن يسهم، من وجهة النظر التي عبر عنها مقدمو المبادرة، في تنويع مصادر إمداد أوروبا بالمواد الخام الاستراتيجية وتقليص درجة الاعتماد على مصادر محددة، خصوصا في القطاعات المرتبطة بالطاقة المتجددة والصناعات التكنولوجية والسيارات الكهربائية.

 

ويطالب المقترح في شقه المؤسساتي، بإعادة تفعيل فريق العمل الإسباني المغربي المكلف بملف ترسيم الحدود والمساحات البحرية، مع إشراك حكومة جزر الكناري ذاتية الحكم بصورة مباشرة في هذا المسار ويقدم أصحاب المبادرة هذا المطلب باعتباره آلية لضمان حضور المؤسسات الكنارية في أي حوار مستقبلي يتعلق بالمجالات البحرية المحيطة بالأرخبيل.

 

ويحمل التصويت داخل اللجنة دلالة سياسية ومؤسساتية، لكنه لا يعني بحد ذاته حسم الحدود البحرية بين المغرب وإسبانيا، ولا يشكل اتفاقا دوليا جديدا بشأنها، فالمقترح غير التشريعي يوجه توصية سياسية إلى الحكومة الإسبانية، بينما يظل أي تحديد نهائي للمجالات البحرية بين دولتين خاضعا للتفاوض والقواعد ذات الصلة من القانون الدولي للبحار، وليس لقرار أحادي صادر عن مؤسسة برلمانية وطنية.

 

ويعيد هذا المعطى أيضا إبراز حساسية المنطقة البحرية الواقعة بين المغرب وجزر الكناري، حيث تتقاطع الاعتبارات القانونية والسيادية مع المصالح الاقتصادية والبيئية والاستراتيجية ومن ثم، فإن إعادة الحديث عن فريق العمل الإسباني المغربي لا تتعلق فقط بخطوط ترسيم على الخرائط، بل ترتبط أيضا بمستقبل استغلال الموارد البحرية، وتنظيم الأنشطة الاقتصادية، وحماية البيئة البحرية، وتحديد نطاق الاختصاصات في منطقة ذات أهمية متنامية.

 

ويأتي إحياء هذا الملف في وقت يواصل فيه مجلس الشيوخ الإسباني تسجيل نشاط برلماني متواصل للسيناتور أنيسيتو خافيير أرماس غونزاليس حول قضايا مرتبطة بمصالح جزر الكناري وعلاقاتها بالمؤسسات المركزية، وتظهر السجلات الرسمية للمجلس أنه يمثل جزيرة إل هييرو، وأنه ينتمي إلى المجموعة البرلمانية التعددية التي تضم مكونات سياسية من بينها ائتلاف الكناري.

 

ويفتح التصويت الأخير الباب أمام مرحلة جديدة من النقاش داخل إسبانيا بشأن كيفية إدارة ملف الحدود البحرية مع المغرب، وحجم الدور الذي ينبغي أن تضطلع به حكومة جزر الكناري في أي مفاوضات مستقبلية، أما على المستوى الدولي فإن أي انتقال من المواقف البرلمانية إلى ترتيبات فعلية سيظل مرتبطا بمسار تفاوضي بين الدول المعنية وبالمرجعيات القانونية الدولية المنظمة للبحار والمناطق الاقتصادية والجرف القاري.

 

وبذلك لا تكمن أهمية التصويت في كونه حسم مسألة بحرية عالقة، وإنما في كونه أعاد الملف إلى دائرة الفعل السياسي الإسباني، وربط مجددا بين قضية ترسيم الحدود البحرية مع المغرب وبين الموارد الاستراتيجية في الأطلسي، والمكانة القانونية التي تسعى بعض الأوساط السياسية في الكناري إلى تكريسها للأرخبيل على المستوى الدولي.

الاخبار العاجلة