العيون الآن.
يوسف بوصولة
شكلت العاصمة الإسبانية مدريد مساء الأحد 8 فبراير 2026 محطة مفصلية في مسار نزاع الصحراء المغربية، بعد احتضان السفارة الأمريكية أول مفاوضات سياسية مباشرة من نوعها جمعت المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، برعاية الولايات المتحدة وبمواكبة من الأمم المتحدة في إطار تنزيل قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر يوم 31 اكتوبر 2025.
يأتي هذا التطور ليكسر سنوات من الجمود الدبلوماسي وينقل الملف من منطق إدارة النزاع إلى أفق البحث الجدي عن حل سياسي نهائي، قائم على الواقعية والتوافق كما ينص على ذلك القرار الأممي الأخير.
الإعلان الأمريكي عن هذه المباحثات عبر بعثتها لدى الأمم المتحدة منح لقاء مدريد وزنا سياسيا خاصا، باعتباره أول تأكيد رسمي لانخراط واشنطن المباشر في تسير النقاشات بين الأطراف الأربعة حول تنفيذ قرار 2797 المتعلق بقضية الصحراء.
وأكدت البعثة الأمريكية أن وفودا رفيعة المستوى من الولايات المتحدة والأمم المتحدة شاركت في تسهيل هذه المباحثات، التي تندرج ضمن الدفع بالمسار السياسي الأممي، في سياق دولي يتسم بتزايد الدعوات إلى تجاوز منطق الجمود واعتماد حلول عملية قابلة للتطبيق.
في الاتجاه نفسه شدد مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والشرق أوسطية، على أن بلاده وبتوجيه من الرئيس الأمريكي “تظل ملتزمة بدعم حل عادل ودائم ومقبول من جميع الأطراف، بما يعزز فرص السلام والاستقرار ويخدم مستقبلا أفضل للمنطقة”.
مواقف واشنطن لم تقتصر على القنوات الدبلوماسية الرسمية، بل عبر عنها أيضا عدد من المسؤولين الأمريكيين بوضوح غير مسبوق. فقد ثمن النائب الجمهوري جو ويلسون الجهود الأمريكية الرامية إلى تشجيع السلام بين المغرب والجزائر، معتبرا أن حل النزاع يفتح آفاق شراكة استراتيجية واقتصادية وأمنية أوسع بين الولايات المتحدة والجزائر.
وفي تدوينة لافتة على منصة “X”، أكد ويلسون دعمه لحل سياسي “واقعي” لقضية الصحراء يقوم على الحكم الذاتي، منتقدا جبهة البوليساريو التي وصفها بحركة ذات توجهات شيوعية تسهم في زعزعة الاستقرار الإقليمي، داعيا الجزائر إلى فك الارتباط بها والانخراط في مسار يخدم مستقبل المنطقة.
تعكس هذه التصريحات انتقالا أمريكيا متزايد الوضوح من لغة التوازن الدبلوماسي التقليدي إلى خطاب أكثر صراحة في توصيف أطراف النزاع وخيارات الحل.
وفق مراقبين أبرز دلالة سياسية لمباحثات مدريد تتمثل في مشاركة الجزائر وجبهة البوليساريو في مفاوضات مؤطرة بقرار مجلس الأمن رقم 2797، رغم رفضهما السابق لهذا القرار، ورفضهما لأي تفاوض حول الصحراء في ظل مرجعية الحكم الذاتي.
وفي هذا السياق يرى الباحث المتخصص في قضية الصحراء محمد سالم عبد الفتاح أن قبول الجلوس إلى طاولة مدريد “يمثل إقرارا عمليا وإن كان غير معلن بالإطار الذي حدده مجلس الأمن”، مضيفا أن “الانتقال من المقاطعة إلى التفاوض داخل هذا السقف الأممي يعكس تحولات في ميزان الضغط الدولي”.
ويؤكد عبد الفتاح أن رعاية واشنطن لهذه الجلسات تعكس رغبة أمريكية واضحة في استثمار الزخم الذي أفرزته القرارات الأممية الأخيرة، والتي كرست مبادرة الحكم الذاتي كحل جدي وذي مصداقية، مشيرا إلى أن الخطاب الأممي بات يتجاوز إدارة النزاع نحو الدفع بتسوية سياسية نهائية.
ويضيف عبد الفتاح أن مشاركة الجزائر كطرف مباشر في محادثات مدريد تمثل تحولا لافتا، بعد سنوات من تقديم نفسها كـ”طرف غير معني”، معتبرا أن هذا الحضور “نتاج ضغط دولي متراكم، تقوده الولايات المتحدة ويدعمه مجلس الأمن”.
ويرى الباحث أن هذا التطور قد يفتح الباب أمام معالجة ملفات ظلت مؤجلة من بينها الوضع الإنساني في مخيمات تندوف والتداعيات الأمنية لتواجد ميليشيات مسلحة داخل التراب الجزائري، في ظل إعادة ترتيب بيئة التفاوض وفق منطق الواقعية السياسية وتوازن المصالح.
تبدو مباحثات مدريد على ضوء هذه المعطيات أكثر من مجرد لقاء تشاوري عابر، بل خطوة عملية لتفعيل مضامين قرار مجلس الأمن 2797 ونقل الملف إلى مرحلة التفاصيل والتنزيل.
وبين ثقة المغرب في مبادرته للحكم الذاتي والدعم الأمريكي المتزايد، وتراجع الأطروحات الانفصالية أمام ضغط الواقعية السياسية، يذهب محللون إلى أن مسار التسوية دخل مرحلته الحاسمة، حيث لم يعد مقبولا العودة إلى ما قبل مرجعية الحكم الذاتي.
بهذا المعنى لقاء مدريد لا يعكس فقط تحولا في شكل المفاوضات، بل يكشف عن تغير عميق في قواعد اللعبة الدولية حول ملف الصحراء المغربية، حيث بات القبول بالحل السياسي الواقعي شرطا للدخول إلى طاولة التفاوض لا موضوعا للمساومة











