مؤسسة وسيط المملكة تفتح قنوات الإنصاف الإداري داخل الفضاء السجني بالعيون

محرر مقالات21 مايو 2026
مؤسسة وسيط المملكة تفتح قنوات الإنصاف الإداري داخل الفضاء السجني بالعيون

العيون الآن.

 

حمزة وتاسو / العيون.

 

في خطوة تعكس توجها متصاعدا نحو ترسيخ العدالة الإدارية وتعزيز ثقافة الحقوق داخل المؤسسات ذات الخصوصية الإنسانية، نظمت المندوبية الجهوية لمؤسسة وسيط المملكة بجهة العيون الساقية الحمراء، يوم الأربعاء 20 ماي 2026، لقاء تواصليا وتحسيسيا لفائدة نزلاء ونزيلات السجن المحلي العيون 2، بحضور مدير المؤسسة السجنية وعدد من أطرها الإدارية، إلى جانب ممثلين عن مؤسسة الوسيط ونزلاء المؤسسة.

ويأتي هذا اللقاء في سياق تنزيل البرنامج التواصلي السنوي للمندوبية الجهوية، الهادف إلى توسيع دوائر القرب المؤسساتي، وتقريب اختصاصات مؤسسة وسيط المملكة من مختلف فئات المرتفقين، بما في ذلك الفئات الموجودة داخل الفضاءات السجنية، باعتبارها جزءا من النسيج المجتمعي الذي تكفل له القوانين الوطنية والمواثيق الحقوقية حق التظلم والولوج إلى آليات الإنصاف الإداري.

 

 

اللقاء لم يكن مجرد نشاط تواصلي ظرفي، بل حمل أبعادا مؤسساتية تتجاوز الطابع التحسيسي المباشر، إذ يعكس توجها نحو إدماج المؤسسات السجنية ضمن مجالات تدخل الوساطة المؤسساتية، بما يرسخ مبدأ استمرارية الحقوق الأساسية حتى في ظل الوضعية الاعتقالية.

 

وفي هذا السياق أكد مدير السجن المحلي العيون 2، في كلمة افتتاحية، أن المبادرة تندرج ضمن المقاربة التشاركية الرامية إلى تعزيز الوعي القانوني والحقوقي لدى النزلاء، مبرزا أهمية التعريف بأدوار مؤسسة وسيط المملكة واختصاصاتها في معالجة التظلمات المرتبطة بالإدارة العمومية، كما أشار إلى أن المؤسسة السجنية سبق أن أحالت عددا من التظلمات على المندوبية الجهوية، وتم التفاعل معها والتوصل بأجوبة بشأنها، في مؤشر على تفعيل قنوات التواصل المؤسساتي لفائدة هذه الفئة.

 

ويحمل هذا المعطى دلالة تتجاوز الجانب الإجرائي، إذ يعكس انتقالا تدريجيا من المقاربة التقليدية لتدبير الفضاء السجني نحو مقاربة حقوقية تؤمن بضرورة صيانة الحقوق الإدارية والمدنية للنزلاء، بما ينسجم مع التحولات التي يشهدها تدبير الشأن الحقوقي بالمغرب خلال السنوات الأخيرة.

 

 

وخلال العرض التأطيري الذي قدمه المندوب الجهوي لمؤسسة وسيط المملكة، تم تقديم شروحات مفصلة حول طبيعة المؤسسة باعتبارها هيئة دستورية مستقلة تعنى بالعلاقة بين الإدارة والمرتفق، مع توضيح اختصاصاتها ومجالات تدخلها، والمساطر المعتمدة في معالجة الشكايات والتظلمات.

 

كما تم التمييز بين الملفات الداخلة ضمن اختصاص المؤسسة وتلك الخارجة عن نطاق تدخلها، مع توجيه النزلاء نحو الجهات المختصة بحسب طبيعة كل ملف، وهو ما يعكس توجها نحو تكريس ثقافة التوجيه الإداري السليم وتبسيط الولوج إلى المعلومة القانونية والإدارية.

 

وشدد العرض على أن العقوبة السالبة للحرية لا تلغي الصفة القانونية للنزيل كمرتفق للإدارة، ولا تنتقص من حقه في التظلم أو اللجوء إلى آليات الوساطة المؤسساتية، باعتبار أن المساواة أمام مؤسسة الوسيط مبدأ دستوري لا يتأثر بالوضعية الجنائية للفرد.

 

ويكتسي هذا الطرح أهمية خاصة في ظل النقاش المتنامي حول العدالة الإدارية وضرورة توسيع نطاق الحماية المؤسساتية للفئات الهشة أو الموجودة في وضعيات خاصة، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويحد من الإحساس بالإقصاء الإداري أو ضعف الولوج إلى الحقوق.

 

 

اللقاء كشف أيضا عن توجه استراتيجي لدى المندوبية الجهوية يروم مأسسة هذه المبادرات داخل المؤسسات السجنية، عبر تنظيم لقاءات دورية ومستدامة تتيح استقبال ومعالجة شكايات النزلاء بمرونة وإنصاف، في إطار تنزيل مبادئ الحكامة الجيدة وربط الإدارة بمنطق القرب والإنصات.

 

ويعكس هذا التوجه وعيا متزايدا بأهمية البعد التواصلي داخل المؤسسات العمومية، خصوصا في الفضاءات ذات الحساسية الحقوقية، حيث يصبح توفير المعلومة القانونية والإدارية جزءا من آليات الوقاية من النزاعات وتعزيز الاستقرار النفسي والاجتماعي للنزلاء.

 

كما أن اعتماد آليات مباشرة للتواصل مع النزلاء من شأنه أن يخفف من تعقيدات المساطر المرتبطة بتقديم التظلمات وتتبعها، ويعزز الإحساس بوجود قنوات مؤسساتية قادرة على التفاعل مع القضايا الإدارية والحقوقية المطروحة.

 

وعقب العرض التأطيري، عرف اللقاء تفاعلا لافتا من طرف النزلاء والنزيلات، الذين طرحوا سلسلة من التساؤلات المرتبطة باختصاصات المؤسسة وبحقوقهم الإدارية والارتفاقية.

 

وتمحورت أغلب الاستفسارات حول الوثائق والمساطر المطلوبة للاستفادة من العفو المرتبط بالغرامات المالية، إلى جانب قضايا مرتبطة بإبرام العقود والتصرفات الإدارية والمعاملات القانونية التي تستوجب إجراءات خاصة داخل المؤسسة السجنية.

 

ويعكس هذا النوع من التفاعلات حجم الحاجة إلى المواكبة القانونية والإدارية داخل المؤسسات السجنية، كما يكشف عن وجود طلب متزايد على المعلومة المؤسساتية الدقيقة، خصوصا في ما يتعلق بالمساطر ذات الأثر المباشر على الوضعية القانونية والاجتماعية للنزلاء.

 

وفي هذا الإطار قدم ممثلو مؤسسة الوسيط توضيحات بشأن المساطر المعتمدة والجهات المتدخلة، مع شرح آليات إيداع التظلمات وشروط قبولها وطرق تتبع الملفات، بما يسهم في تعزيز شفافية العلاقة بين الإدارة والمرتفق.

 

ورغم أن اللقاء اتخذ طابعا إداريا وتواصليا، فإن أبعاده امتدت إلى مستويات حقوقية وإدماجية أوسع، إذ تم التأكيد خلاله على أن تمكين النزلاء من الولوج إلى المعلومة القانونية والإدارية يعزز شعورهم بالإنصاف، ويدعم مسارات الإدماج وإعادة التأهيل.

 

كما ينسجم هذا التوجه مع المقاربات الحديثة لإدارة المؤسسات السجنية، التي لم تعد تختزل دور السجن في العقوبة فقط، بل تعتبره فضاء لإعادة الإدماج الاجتماعي والتأهيل القانوني والحقوقي، بما ينسجم مع المبادئ الدستورية والالتزامات الحقوقية للمملكة.

 

ويرى متابعون للشأن الحقوقي أن تعزيز حضور مؤسسات الحكامة داخل الفضاء السجني من شأنه أن يرفع من منسوب الثقة في المؤسسات، ويكرس ثقافة الحقوق والواجبات، خاصة لدى الفئات التي تعيش وضعيات هشاشة أو عزلة قانونية وإدارية

 

واختتم اللقاء بكلمة شكر تقدم بها أحد أطر المؤسسة السجنية، نوه فيها بأهمية المبادرة، معتبرا أنها لم تقتصر على إفادة النزلاء فقط، بل شكلت أيضا مناسبة للأطر العاملة بالمؤسسة للاطلاع بشكل أوسع على اختصاصات مؤسسة وسيط المملكة وأدوارها في حماية حقوق المرتفقين وتعزيز العدالة الإدارية.

 

ويبدو أن هذا النوع من المبادرات مرشح لأن يتحول إلى نموذج عملي لتوسيع مجال الوساطة المؤسساتية داخل الفضاءات المغلقة، في إطار مقاربة تقوم على تقريب الإدارة من المواطن، أيا كانت وضعيته، وربط الحكامة العمومية بمنطق الإنصاف والولوج المتكافئ إلى الحقوق.

الاخبار العاجلة