العيون الآن.
يوسف بوصولة / العيون
تتجه الأنظار إلى الزيارة المرتقبة التي سيقوم بها الملك محمد السادس إلى فرنسا خلال خريف السنة الجارية، في محطة دبلوماسية توصف داخل الأوساط السياسية الفرنسية والمغربية بأنها من أبرز التحولات التي شهدتها العلاقات الثنائية منذ سنوات، بالنظر إلى طبيعة الملفات المطروحة وسياقها السياسي، إضافة إلى المعاهدة الاستراتيجية المرتقبة التي ستوقع بين البلدين لأول مرة في تاريخهما الحديث.
كشفت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن زيارة الدولة المنتظرة لن تتم قبل افتتاح الدورة البرلمانية الجديدة بالمغرب خلال شهر أكتوبر المقبل، باعتبار أن الملك محمد السادس يترأس تقليديا افتتاح البرلمان في ثاني جمعة من الشهر ذاته، وهو ما يعني أن الزيارة ستكون مؤجلة إلى ما بعد هذا الموعد الدستوري والسياسي البارز.
وأضافت الصحيفة أن الزيارة التي كانت منتظرة منذ أكثر من سنة ونصف ارتبطت أيضا بالسياق السياسي الفرنسي، إذ فضلت باريس، وفق المصدر ذاته، انتظار انتهاء الانتخابات التشريعية الفرنسية المرتقبة في شتنبر المقبل، قبل إعطاء الانطلاقة الرسمية لهذه المحطة الدبلوماسية رفيعة المستوى.
الزيارة الملكية المرتقبة تأتي بعد واحدة من أكثر الفترات تعقيدا في العلاقات المغربية الفرنسية خلال العقد الأخير، حيث مرت العلاقات الثنائية بمراحل من التوتر السياسي والدبلوماسي غير المعلن بشكل مباشر، خصوصا عقب أزمة “بيغاسوس” سنة 2021، بعدما وجهت اتهامات للمغرب باستهداف هواتف مسؤولين فرنسيين عبر برنامج التجسس الإسرائيلي.
كما تعمقت الأزمة لاحقا بسبب قرارات البرلمان الأوروبي المنتقدة للمغرب، إلى جانب أزمة التأشيرات التي فرضتها باريس على المواطنين المغاربة، وهو ما انعكس بشكل واضح على مستوى التنسيق السياسي بين البلدين.
غير أن سنة 2023 شكلت بداية عودة تدريجية للحوار، قبل أن يحدث التحول الأكبر خلال صيف 2024، عندما أعلنت فرنسا بشكل رسمي دعمها للموقف المغربي بشأن قضية الصحراء، في خطوة اعتبرت داخل الرباط تحولا استراتيجيا في تموقع باريس تجاه أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للمملكة.
هذا التحول توج لاحقا بالزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المغرب، والتي شكلت لحظة سياسية فارقة أعادت الدفء إلى العلاقات الثنائية، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها إعادة بناء الثقة والشراكة الاستراتيجية.
وفي قلب هذه الدينامية الجديدة، تبرز “معاهدة الصداقة” المرتقبة بين الرباط وباريس باعتبارها أبرز مخرجات الزيارة الملكية المقبلة، وهي المعاهدة التي وصفها وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بأنها “تاريخية وغير مسبوقة”.
وأوضح بوريطة أن هذه المعاهدة ستكون الأولى التي توقعها فرنسا مع بلد غير أوروبي، كما ستكون أول معاهدة استراتيجية يوقعها المغرب مع دولة أوروبية، ما يمنحها حمولة سياسية وقانونية خاصة تتجاوز الاتفاقيات التقليدية للتعاون الثنائي.
ووفق المعطيات المتوفرة، فإن المعاهدة المرتقبة ستؤسس لإطار جديد للعلاقات المغربية الفرنسية، يشمل ملفات الاقتصاد والاستثمار والتنسيق السياسي والأمني، إضافة إلى التعاون الثقافي والجامعي وقضايا الهجرة والتنمية.
كما تعكس هذه الخطوة توجها مشتركا نحو الانتقال من تدبير الأزمات الظرفية إلى بناء شراكة مؤسساتية طويلة المدى قائمة على الوضوح السياسي والتوازن الاستراتيجي.
وكشفت “لوموند” أن مهمة إعداد وصياغة المعاهدة أُسندت إلى شخصيات بارزة في العلاقات المغربية الفرنسية، من بينها الكاتبة الفرنسية المغربية ليلى سليماني الحائزة على جائزة “غونكور” سنة 2016، إلى جانب وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبير فيدرين.
ويعكس اختيار هذه الأسماء رغبة البلدين في منح المعاهدة بعدا يتجاوز السياسة التقليدية، عبر إشراك شخصيات تجمع بين العمق الفكري والخبرة الدبلوماسية والامتداد الثقافي، بما يسمح ببناء تصور جديد للعلاقات الثنائية في ظل التحولات الدولية الراهنة.
تكتسي زيارة الدولة المرتقبة بعدا رمزيا خاصا، إذ ستكون ثاني زيارة دولة فقط يقوم بها الملك محمد السادس إلى فرنسا منذ اعتلائه العرش سنة 1999، بعد أول زيارة رسمية من هذا النوع سنة 2000 في عهد الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك.
كما يرتقب، وفق تقارير إعلامية فرنسية أن تشكل الزيارة مناسبة لإلقاء الملك محمد السادس نصره الله كلمة أمام الجمعية العمومية الفرنسية، في خطوة ذات دلالة سياسية ودبلوماسية كبيرة، خاصة وأن إلقاء الملك المغربي خطابات أمام برلمانات أجنبية يظل حدثا نادرا في الدبلوماسية المغربية الحديثة.
يعيد هذا المعطى إلى الواجهة الخطاب الذي ألقاه الملك الراحل الحسن الثاني أمام البرلمان الفرنسي سنة 1996، والذي اعتبر آنذاك محطة بارزة في تاريخ العلاقات بين الرباط وباريس.
وتوحي مجمل المؤشرات بأن المغرب وفرنسا بصدد الانتقال إلى مرحلة جديدة في علاقاتهما الثنائية، تقوم على إعادة تعريف المصالح المشتركة وفق منطق أكثر وضوحا وتكافؤا، في ظل التحولات الجيوسياسية التي تعرفها منطقة الساحل والبحر الأبيض المتوسط.
فبالنسبة لباريس يمثل المغرب شريكا إقليميا مستقرا وقادرا على لعب أدوار استراتيجية في إفريقيا والعالم العربي، بينما ترى الرباط في التحول الفرنسي الأخير تجاه قضية الصحراء مدخلا لإعادة بناء العلاقة مع فرنسا على أسس جديدة قائمة على الاحترام المتبادل للمصالح الاستراتيجية والسيادية.
وفي حال توجت الزيارة الملكية المرتقبة بتوقيع المعاهدة التاريخية المنتظرة، فإن ذلك سيشكل بداية مرحلة جديدة في تاريخ العلاقات المغربية الفرنسية، عنوانها الانتقال من شراكة تقليدية إلى تحالف استراتيجي طويل المدى، يعيد رسم موقع البلدين داخل التحولات الدولية والإقليمية المقبلة.











