العيون الآن.
حمزة وتاسو / العيون.
لم تعد التحولات التي عرفتها كرة القدم المغربية خلال العقد الأخير مجرد نتائج ظرفية أو طفرات معزولة، بل أضحت مسارا مؤسساتيا متكاملا نابعا من رؤية ملكية استشرافية، وضعت معالمها منذ أزيد من خمسة عشر عاما، وترجمت ميدانيا عبر سياسات تنفيذية واضحة قادتها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، تحت إشراف فوزي لقجع، مسارٌ أعاد تعريف موقع المغرب الكروي، وجعل من اللعبة رافعة تنموية وصورة سيادية في المحافل القارية والدولية.
منذ المناظرة الوطنية للرياضة سنة 2008، رسم جلالة الملك محمد السادس إطارا مرجعيا جديدا للقطاع الرياضي، يقوم على الانتقال من التدبير التقليدي إلى الاحتراف الشامل، ومن منطق النتائج الظرفية إلى البناء المستدام، في هذا التصور لم تقدم الرياضة كترف اجتماعي، بل كقطاع استراتيجي متداخل مع التنمية البشرية، والاقتصاد، والدبلوماسية، وصورة الدولة في الخارج، وكانت كرة القدم بحكم إشعاعها الشعبي والإعلامي في صلب هذا المشروع.
شكل تولي فوزي لقجع رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم سنة 2014 نقطة تحول في آليات التسيير، فالمقاربة المعتمدة لم تنطلق من منطق “التدبير الانتخابي”، بل من موقع المسؤول التنفيذي المكلف بتنزيل رؤية واضحة المعالم، ضمن أجندة زمنية ممتدة.
أحد أبرز ملامح هذا التحول تمثل في القطع مع التسيير الظرفي، واعتماد سياسة الاستمرارية، برامج تقنية، اختيارات بشرية، ومخططات تطوير لم تكن رهينة النتائج الآنية، بل محكومة بمنطق التراكم والتقييم المرحلي.
أصبحت أكاديمية محمد السادس لكرة القدم حجر الزاوية في المنظومة الجديدة، ليس فقط كمركز تكوين، بل كنموذج احترافي متكامل يربط بين التأطير الرياضي، والتكوين الدراسي، والبناء الذهني. هذا التوجه أفرز جيلا من اللاعبين القادرين على الاندماج السريع في أعلى المستويات التنافسية داخل المغرب وخارجه.
تزامن ذلك مع تحديث شامل للبنية التحتية، ملاعب بمعايير دولية، مراكز تدريب جهوية، إعادة تنظيم البطولات الوطنية، وتأهيل الأطر التقنية والتحكيمية، بما ينسجم مع متطلبات الاتحادين الإفريقي والدولي لكرة القدم.
انعكست هذه السياسات على مستوى النتائج بشكل لافت، أبرزها الحضور التاريخي للمنتخب الوطني في نهائيات كأس العالم قطر 2022، وبلوغه نصف النهائي، في سابقة إفريقية وعربية، كما سجلت الكرة المغربية حضورا قويا في المنافسات القارية للفئات السنية، والكرة النسوية، إلى جانب ترسيخ موقع المغرب كبلد منظم للتظاهرات الكبرى، بقدرة تنظيمية أصبحت محل إشادة دولية.
غير أن الأثر الأعمق لا يكمن في الألقاب وحدها، بل في التحول البنيوي للصورة:
المغرب لم يعد “منتخب مفاجآت”، بل نموذجا كرويا يدار وفق رؤية، ويقاس أداؤه بمعايير الاستدامة.
في سياق دولي متشابك، برزت كرة القدم كإحدى أدوات القوة الناعمة للمملكة، فمن خلال التنظيم المحكم، والاستثمار في الشباب، والحضور القاري الفاعل، أصبحت اللعبة رافعة تعزز الثقة في النموذج المغربي، وتخدم حضوره الدبلوماسي والاقتصادي، خصوصا داخل القارة الإفريقية.
ما شهدته كرة القدم المغربية خلال العقد الأخير هو نتاج تلاقي رؤية ملكية بعيدة المدى مع إرادة تنفيذية صارمة، لم تكن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم صانعة للرؤية، لكنها أدركت أبعادها، وحولتها إلى سياسات عملية، قابلة للقياس، ومستندة إلى مؤشرات واضحة.
بهذا الانتقال الهادئ والعميق، غادرت كرة القدم المغربية مربع الحلم، ودخلت مرحلة المشروع، لتستقر اليوم في موقع القوة؛ قوة تدار بالعقل المؤسساتي، وتقاس بلغة النتائج والاستدامة، لا بمنطق الصدفة أو الظرفية.











