العيون الآن.
الدكتور: عبدالقادر الحافظ بريهما
تتصدّر اليوم منصّات التواصل الاجتماعي موجة خطيرة من “صناعة التفاهة”، حيث تحوّل بعض من يُسمّون أنفسهم مؤثرين إلى أدوات لضرب القيم، ونشر السلوكيات الهابطة، بدل تقديم محتوى معرفي أو توعوي يرقى بالمجتمع. هؤلاء ليسوا مجرد أفراد يبحثون عن الشهرة، بل أصبحوا جزءًا من منظومة رقمية ضخمة تُصنع فيها نجومية الحمقى، وتُغذّى فيها الرداءة بأموال مجهولة المصدر، ويُدفع فيها بالمحتوى الهابط نحو واجهة النقاش العام، بينما يستفيد أصحابها من نسب مشاهدة خيالية وجوائز وشراكات إعلانية.
وترافق هذا المشهد مع تضخم غير مسبوق في أعداد المؤثرين بالمغرب، حيث تشير التقديرات إلى وجود عشرات الآلاف ممن ينشطون في مختلف المنصات. ورغم وجود نماذج ناجحة وحقيقية، فقد استطاعت فئة أخرى أن تحتل الصدارة عبر بث التفاهة وتسويق الفضائح، لدرجة ضرب الأسرة المغربية في عمقها، والتحلّل من القيم التي حافظ عليها المجتمع لعقود. وقد استفاض البعض في تنفيذ أجندات خارجية بشكل واعٍ أو غير واعٍ، من خلال التطبيع مع الانحلال، وإدخال الأبناء والنساء في محتويات خادشة للحياء، كما حدث مع قضية الطفل آدم بنشقرون التي هزّت الرأي العام.
وما كشفته التحقيقات حول أمّ الطفل إلا نموذج من نماذج كثيرة، حيث تواجه تهمًا ثقيلة تتعلق بالاتجار بالبشر، واستغلال قاصر، ونشر محتويات إباحية، والإخلال العلني بالحياء. وقد أمر الوكيل العام للملك بإيداعها السجن في انتظار المحاكمة، بعد سلسلة فضائح صادمة تورّط فيها صُنّاع محتوى كانوا يقدّمون أنفسهم كـ”مؤثرين”، بينما انكشف أنّهم يشتغلون في الظل على بث الانحراف وتشويه صورة الأسرة المغربية، كل ذلك مقابل مشاهدات وأموال لم يعد مصدرها واضحًا أو بريئًا.
وتزامن هذا مع توقيف عدد من المؤثرين الآخرين، مثل المدعو “مولينكس”، بعد انتشار مقاطع له برفقة قاصر في ظروف مريبة، إضافة إلى بث مباشر يُظهر سلوكًا مشينًا وعبارات منحطة. هذا إلى جانب اعتقال آخرين في إطار حملة واسعة ضد المحتوى المخل بالحياء والتحريض على الرذيلة. وقد تصاعدت مطالب المغاربة بإطلاق حملة “زيرو تفاهة” لوضع حدّ لهيمنة الرداءة على الفضاء الرقمي، خاصة بعد ظهور عائلات كاملة تُسخّر أبناءها لخلق ضجّة واستقطاب المتابعين بأي وسيلة، مثل ما قامت به بعض “المؤثرات” اللواتي يحولن تفاصيل الحياة الخاصة إلى عروض يومية مبتذلة.
كما لم يكن توقيف الستريمر إلياس المالكي مفاجئًا، في ظل تراكم الشكايات ضده، من طرف الذين تعرضوا للسبّ والقذف، إضافة إلى اتهامات أخطر تتعلق بالتحريض على التمييز والكراهية والتشهير عبر الأنظمة الرقمية. وتشير المعطيات إلى احتمال مواجهته تهمًا أخرى تتعلق بالإخلال بالحياء العام والتحريض على الدعارة، وهي ممارسات تنخر جسد المجتمع وتستهدف الفئات الهشة، في وقت تتصاعد فيه أصوات محامين وحقوقيين للمطالبة بترتيب الفضاء الرقمي ووقف الانفلات الأخلاقي.
والغريب والمثير للتساؤل هو هذا التدفق المالي الكبير الذي يستفيد منه بعض صانعي التفاهة، رغم غياب محتوى حقيقي يبرر حجم العائدات. وهو ما يفتح الباب أمام فرضية التمويل الخارجي، خصوصًا في ظل مؤشرات تربط بعض هؤلاء بجهات معادية للمغرب، تعمل على ضرب القيم وتأجيج الانحلال وإضعاف الثقة داخل المجتمع. فهل نحن أمام حرب رقمية ناعمة تُخاض بأدوات ظاهرها بريء وباطنها أموال مسمومة من جهات معادية جارة؟ أم أمام مخطط محبوك لتطبيع الانحطاط وتحويله إلى “ترند” مقبول؟ سؤال مشروع يستحق البحث واليقظة، حتى لا تتحول منصّاتنا إلى ساحات مفتوحة أمام الأجندات المشبوهة.
وعلينا جميعًا أن نعي أن حماية المجتمع المغربي ذو النسيج المحافظ والمتماسك، ليس خيارًا ثانويًا بل واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا. فالمملكة التي صانت قيمها عبر التاريخ، وجعلت من الأخلاق والاحترام والحياء والحكمة والستر ركائز لهويتها الجماعية، تواجه اليوم تحديات غير مسبوقة أمام موجة المحتوى الهابط. لذلك يصبح من الضروري أن نتكتل أفرادًا ومؤسسات، مثقفين وفاعلين، لحماية ما تبقى من الفطرة السليمة التي يتميز بها هذا المجتمع، ولتحصين أجيالنا ضد محاولات اختراق قيمنا وتشويه مرجعياتنا. فالدفاع عن الأخلاق ليس مجرد خطاب، بل عمل مستمر يقتضي الوعي، واليقظة، والمبادرة، حتى لا نترك المجال مفتوحًا أمام التفاهة لتتسلل إلى بيوتنا وتعبث بذاكرتنا الجماعية ونسقنا التربوي والاجتماعي.











