كان المغرب 2025: حين تتحول كرة القدم إلى أداة دبلوماسية استراتيجية

محرر مقالات24 يناير 2026
كان المغرب 2025: حين تتحول كرة القدم إلى أداة دبلوماسية استراتيجية

العيون الآن.

 

يوسف بوصولة

 

لم تكن تصريحات سفيرة المملكة المغربية في كولومبيا والإكوادور فريدة لوداية، حول كأس إفريقيا للأمم 2025 مجرد تقييم تقني لبطولة كروية ناجحة، بل حملت في عمقها خطابا دبلوماسيا متكاملا يعكس تحول الرياضة إلى رافعة مركزية في السياسة الخارجية المغربية.

 

من خلال توصيفها للبطولة باعتبارها «منعطفا تاريخيا» و«دليلا على القيادة القارية للمغرب»، وضعت السفيرة تنظيم كأس إفريقيا في سياق أوسع يتجاوز حدود المستطيل الأخضر، ليصبح رسالة موجهة إلى الفاعلين الدوليين مفادها أن المغرب لم يعد يكتفي بدور الشريك، بل يتموقع كقطب إقليمي قادر على إنتاج المعايير وتصدير النموذج.

 

الأرقام التي استندت إليها لوداية من حيث العائدات القياسية للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، والحضور الجماهيري غير المسبوق، والزخم الإعلامي الدولي لا تقرأ فقط كمؤشرات رياضية، بل كأدوات شرعنة دولية لخطاب الكفاءة والاستقرار، وهما عنصران أساسيان في أي معركة تموقع جيوسياسي ناعم، خصوصا في محيط إفريقي يشهد تنافسًا متزايدا على النفوذ.

 

اللافت في خطاب السفيرة هو الربط المتكرر بين النجاح الرياضي والرؤية الملكية، بما يحول كرة القدم إلى امتداد مباشر لسياسة الدولة. فحين تؤكد أن الرياضة أصبحت «سياسة عمومية» موجهة من أعلى هرم السلطة، فهي عمليا تضع التنظيم الناجح للـCAN ضمن سردية الدولة القوية ذات التخطيط طويل المدى، القادرة على الوفاء بالتزاماتها الدولية، وهو خطاب موجه بالأساس إلى المؤسسات الكبرى مثل الفيفا والشركاء الأوروبيين في تنظيم مونديال 2030.

 

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الدبلوماسية الرياضية» كأحد المفاتيح الأساسية لفهم تصريحات لوداية. فإشادة مسؤولي الكاف والفيفا، كما وردت في الحوار، لم تقدم باعتبارها مجاملات بروتوكولية، بل كأدلة سياسية تعزز مشروعية اختيار المغرب لاحتضان نهائيات كأس العالم، وتقطع الطريق أمام أي تشكيك في الجاهزية أو القدرة التنظيمية.

 

كما أن تركيز السفيرة على الأكاديميات، وعلى رأسها أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، يعكس بعدا آخر أقل مباشرة، لكنه أكثر عمقا: الاستثمار في الإنسان كأداة نفوذ مستدام. فنجاح لاعبين مغاربة في كبريات الدوريات الأوروبية لا يخدم فقط صورة المنتخب، بل يعزز الحضور الرمزي للمغرب داخل الفضاء الرياضي العالمي، حيث تصنع الصور الذهنية وتبنى التحالفات غير المعلنة.

 

أما بلوغ المغرب المركز الثامن عالميا في تصنيف الفيفا، فقد دم في خطاب السفيرة كتحول نوعي من «الاستثناء» إلى «القاعدة»، وهو توصيف دقيق يحمل رسالة واضحة: المغرب لم يعد مفاجأة عابرة، بل فاعل دائم في منظومة كرة القدم العالمية، وهو ما ينعكس مباشرة على وزنه التفاوضي داخل المؤسسات الرياضية الدولية.

 

ولا يقل البعد الشعبي أهمية في هذا الخطاب. فحين تتحدث لوداية عن الجماهير المغربية في الداخل والخارج، وعن التفاعل القوي في أمريكا اللاتينية، فهي تؤكد على عنصر الجاليات والامتداد الثقافي كجزء من القوة الناعمة، حيث تتحول المشاعر الرياضية إلى جسور سياسية غير رسمية، يصعب قياسها رقميا لكن أثرها بالغ في تحسين الصورة وبناء الثقة.

 

يمكن قراءة كأس إفريقيا للأمم 2025، كما قدمتها السفيرة باعتبارها «اختبار سيادة تنظيمية» نجح فيه المغرب، ومهد من خلاله لمرحلة جديدة عنوانها: الانتقال من استضافة البطولات إلى التأثير في قواعد اللعبة نفسها. وبهذا المعنى لم تكن الـCAN مجرد بطولة قارية، بل بروفة دبلوماسية كاملة لمونديال 2030، ورسالة محسوبة بعناية إلى العالم بأن المغرب دخل نادي الكبار من الباب الواسع.

الاخبار العاجلة