العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
تواجه الأسر الجزائرية مع نهاية شهر شتنبر موجة جديدة من ارتفاع أسعار عدد من الخضر والفواكه واللحوم البيضاء، وسط شكاوى متزايدة من تقلص القدرة الشرائية واتساع الفارق بين الأسعار المسجلة في أسواق الجملة وتلك التي يصل بها المنتوج إلى المستهلك.
وأظهرت جولات ميدانية نشرتها وسائل إعلام ومنصات جزائرية تفاوتا ملحوظا في أسعار المواد الغذائية الأساسية بين الولايات والأسواق، في وقت عاد فيه النقاش حول أسباب الغلاء ودور الوسطاء والمضاربة وكلفة الإنتاج والتوزيع.
تضع هذه التطورات ملف الأسعار أمام السلطات الجزائرية، خصوصا أن الأمر يتعلق بمواد تدخل مباشرة في القفة اليومية للمواطن.
وبحسب الأسعار المتداولة في الأسواق، وصلت البطاطا في بعض نقاط البيع بالتجزئة إلى نحو 140 دينارا للكيلوغرام، فيما تراوحت أسعار الفاصولياء الخضراء بين 200 و270 دينارا.
أما الفاصولياء الحمراء فسجلت مستويات تراوحت بين 380 و450 دينارا، بينما وصلت البطاطا الحلوة إلى نحو 340 دينارا.
وكان الثوم الجاف من بين أكثر المنتجات إرتفاعا، إذ تراوح سعر الكيلوغرام منه بين 650 و850 دينارا.
شملت الزيادات كذلك الخس، الذي تراوح بين 180 و200 دينار، والكوسة بين 140 و200 دينار، والليمون بين 160 و220 دينارا.
كما بلغ الشمر نحو 190 دينارا، والباذنجان 170 دينارا، والجزر الممتاز 140 دينارا، فيما تراوحت أسعار الفلفل الحار والحلو بين 130 و200 دينار للكيلوغرام.
ولم تتوقف موجة الارتفاع عند الخضر. فقد تراوحت أسعار التفاح بين 400 و600 دينار للكيلوغرام، ووصل الإجاص إلى نحو 500 دينار، بينما تراوحت أسعار العنب والنكتارين بين 400 و450 دينارا.
أما الدجاج وهو أحد المصادر الرئيسية للبروتين بالنسبة إلى شرائح واسعة من الأسر، فقد تراوح سعره بين 500 و600 دينار للكيلوغرام.
في المقابل حافظت بعض المنتجات على أسعار أقل نسبيا، من بينها البصل الذي تراوح بين 40 و52 دينارا، في صورة تعكس تفاوتا كبيرا بين المنتجات الزراعية المعروضة في الأسواق.
لكن الأرقام وحدها لا تقدم الصورة كاملة. فواحدة من أبرز الإشكالات التي أعادتها الأزمة إلى الواجهة تتعلق بالفارق بين أسعار الجملة والتجزئة، وما يحدث للمنتوج في المسافة الفاصلة بين الفلاح والمستهلك.
ويعيد هذا التفاوت طرح أسئلة قديمة حول تعدد الوسطاء، وهوامش الربح، وكلفة النقل والتخزين، ومدى فعالية أجهزة الرقابة في ضبط الأسواق ومواجهة المضاربة.
وفي المقابل طرح تفسير آخر يتعلق بالطابع الموسمي لبعض المنتجات، إذ جرى ربط جانب من الارتفاع بالفترة الانتقالية بين نهاية المحاصيل الصيفية وبداية وصول المنتجات الشتوية إلى الأسواق خلال أكتوبر.
غير أن استمرار ارتفاع عدد كبير من المواد يجعل النقاش أوسع من تفسير موسمي واحد، خصوصا بالنسبة إلى الأسر التي تقيس الأزمة بما تدفعه يوميا، لا بمواعيد الدورات الزراعية.
تعيد أزمة الأسعار كذلك إلى الواجهة السياسة التي اتبعتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة لتقليص فاتورة الواردات وتشجيع الإنتاج المحلي.
فالحد من الاستيراد يمكن أن يدعم المنتوج الوطني عندما تكون السوق الداخلية قادرة على تعويض النقص، لكنه قد يضغط على العرض والأسعار عندما لا يستطيع الإنتاج المحلي سد الطلب بالسرعة المطلوبة.
ولهذا تصبح وفرة البذور والأسمدة والأعلاف ومستلزمات الإنتاج، إلى جانب سهولة الاستيراد عند الحاجة، جزءا أساسيا من معادلة الأسعار التي يدفعها المستهلك في النهاية.
كما شهدت علاقات الجزائر التجارية خلال السنوات الماضية توترات وقيودا مرتبطة بخلافات سياسية مع عدد من الشركاء، وهو ما يطرح بدوره سؤالا اقتصاديا حول الكلفة التي يمكن أن تتحملها السوق الداخلية عندما تتداخل الاعتبارات الدبلوماسية مع تدفقات التجارة.
لكن تحديد أثر كل قرار من هذه القرارات على الأسعار الحالية يحتاج إلى بيانات دقيقة حول حجم الواردات والإنتاج والمخزون والأسواق البديلة، ولا يمكن اختزاله في سبب سياسي واحد.
بعيدا عن الأرقام الاقتصادية الكبرى، تبقى الأزمة أكثر وضوحا داخل القفة اليومية. فحين يصل كيلوغرام التفاح إلى 600 دينار، والثوم إلى 850 دينارا، والدجاج إلى 600 دينار، لا يعود النقاش بالنسبة إلى الأسرة مرتبطا فقط بنسبة التضخم الرسمية، بل بكمية الغذاء التي يستطيع الدخل الشهري توفيرها.
وهنا تظهر الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية الكلية والتجربة اليومية للمستهلك. فالأسرة لا تشتري “معدل التضخم”، وإنما تشتري البطاطا والخضر والفواكه واللحوم بأسعار السوق.
موجة شتنبر سواء كانت بعض ارتفاعاتها موسمية أم مرتبطة باختلالات أعمق في الإنتاج والتوزيع، تضع قدرة السلطات الجزائرية على حماية القوة الشرائية أمام اختبار جديد.
فالجزائر تمتلك موارد كبيرة من صادرات المحروقات، لكن امتلاك الموارد المالية لا يؤدي تلقائيا إلى استقرار أسعار الغذاء إذا ظلت حلقات الإنتاج والاستيراد والتخزين والتوزيع تعاني اختلالات.
ولهذا فإن السؤال الذي تطرحه الأسواق اليوم يتجاوز ثمن البطاطا أو الدجاج إلى سؤال اقتصادي أكبر:
كيف يمكن لبلد يمتلك موارد نفطية وغازية كبيرة أن يحول تلك الموارد إلى أمن غذائي وأسعار مستقرة يشعر بها المواطن فعليا داخل قفته اليومية؟
ومع نهاية شتنبر يبقى الجواب الأكثر إلحاحا موجودا في الأسواق نفسها؛ حيث أصبحت القدرة على ملء القفة اختبارا يوميا للسياسات الاقتصادية أكثر مما هي مجرد مجموعة أرقام في نشرات الأسعار.











