العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
لم يعد خطاب قيادة جبهة البوليساريو يقتصر على مهاجمة المغرب أو انتقاد الأمم المتحدة، بل أصبح يعكس بشكل واضح ومتزايد حجم القلق الذي يعتري قيادة الجبهة أمام التحولات السياسية والدبلوماسية التي يعرفها ملف الصحراء، خاصة منذ اعتماد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2797، وما تلاه من تصاعد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب.
ففي افتتاح مؤتمر “شبيبة البوليساريو” اختار الأمين العام للجبهة إبراهيم غالي الحديث عن ما وصفه بـ”المؤامرة” التي تستهدف البوليساريو منذ صدور القرار الأممي الأخير، معتبرا أن هناك محاولات لـ”الالتفاف” على قرارات الأمم المتحدة، في خطاب قرأه متابعون باعتباره اعترافا ضمنيا بحجم الضغوط السياسية التي تواجهها الجبهة أكثر من كونه استعراضا لمواقفها التقليدية.
ورغم تمسك غالي مجددا بخيار “تقرير المصير والاستقلال”، فإن توقيت تصريحاته يكشف عن حالة ارتباك داخلية غير مسبوقة، في ظل احتدام النقاش داخل مخيمات تندوف بشأن مستقبل العملية السياسية، وإمكانية انخراط الجبهة في مفاوضات ترتكز على مبادرة الحكم الذاتي، التي باتت تحظى بدعم دولي متزايد.
يأتي هذا الخطاب في وقت تشهد فيه قيادة البوليساريو انقسامات علنية بين تياراتها. فقد أثارت تصريحات محمد سالم ولد السالك، التي لمح فيها إلى إمكانية التعاطي مع مبادرة الحكم الذاتي تحت وطأة المتغيرات الدولية، ردود فعل غاضبة من قيادات متشددة يتزعمها البشير مصطفى السيد الذي يرفض أي مقاربة لا تنتهي بإعلان “الاستقلال”، ما يعكس اتساع الهوة داخل هياكل الجبهة قبل انعقاد مؤتمرها السابع عشر.
ويعتبر مراقبون أن حديث غالي عن “رص الصفوف” و”الاستعداد لكل الاحتمالات” لا يعكس قوة تنظيمية بقدر ما يكشف عن مخاوف حقيقية من تفكك الجبهة أمام الضغوط السياسية والدبلوماسية المتزايدة، خاصة مع تقلص هامش المناورة الذي كانت تستند إليه خلال العقود الماضية.
في المقابل يواصل المغرب تعزيز موقعه الدبلوماسي على الساحة الدولية، مستندا إلى الدعم المتنامي لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الوحيد الجاد وذي المصداقية لتسوية النزاع. وقد عززت الولايات المتحدة هذا التوجه خلال الأشهر الأخيرة، من خلال تجديد تأكيدها دعم المبادرة المغربية، بالتوازي مع انخراطها في مشاريع استثمارية كبرى بالأقاليم الجنوبية، في رسالة تعكس انتقال الدعم من المستوى السياسي إلى شراكة اقتصادية وتنموية على أرض الواقع.
كما ساهم القرار 2797 في تكريس المرجعية الأممية القائمة على الحل السياسي الواقعي والتوافقي، وهو ما ضيق هامش المناورة أمام الأطروحة الانفصالية، التي تجد نفسها اليوم أمام واقع دولي مختلف عما كان عليه قبل سنوات.
ويرى متابعون أن لجوء قيادة البوليساريو إلى خطاب “المؤامرة” كلما ازدادت عزلتها السياسية يعكس عجزها عن مواكبة التحولات التي يشهدها الملف، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على أن النقاش داخل مخيمات تندوف لم يعد يقتصر على الشعارات التقليدية، بل أصبح يشمل مستقبل الجبهة نفسها، وجدوى استمرار مقاربة لم تحقق أي اختراق سياسي منذ أكثر من خمسة عقود.
وبين ضغوط المجتمع الدولي والانقسامات المتنامية داخل القيادة، وتراجع التأييد لأطروحة الانفصال تبدو البوليساريو أمام مرحلة توصف بأنها من أكثر المراحل حساسية في تاريخها، بينما يواصل المغرب تعزيز حضوره الدبلوماسي والتنموي، مستندا إلى زخم دولي متصاعد يجعل مبادرة الحكم الذاتي أكثر حضورا في النقاش الأممي، ويضع قيادة الجبهة أمام خيارات تزداد ضيقا مع مرور الوقت











