العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
في خطوة جديدة تعكس حجم الارتباك الذي بات يطبع خطاب جبهة البوليساريو وجهت قيادة الجبهة رسالة إلى مجلس الأمن الدولي تندد فيها بما قالت إنه استهداف لمدنيين في المناطق الواقعة شرق الجدار الأمني، مطالبة الهيئة الأممية بالتدخل في ما تصفه بـ”الانتهاكات” التي تطال أشخاصا يوجدون داخل هذه المناطق.
غير أن هذه الخطوة تطرح مفارقة سياسية وقانونية يصعب تجاهلها. فمنذ إعلانها التنصل من اتفاق وقف إطلاق النار سنة 2020، دأبت الجبهة على تقديم تلك المناطق باعتبارها مسرحا لعمليات عسكرية ومجالا مفتوحا للمواجهة المسلحة، بل إن إعلامها الرسمي لا يكاد يخلو من بيانات تتحدث عن “قصف” و”هجمات” و”معارك” بشكل شبه يومي. واليوم تعود الجبهة نفسها إلى المؤسسات الدولية للاحتجاج على سقوط ضحايا داخل الفضاء ذاته الذي تصفه باستمرار بأنه منطقة حرب.
هذا التناقض يكشف محاولة واضحة للفصل بين الخطاب العسكري الذي تتبناه الجبهة وبين النتائج المترتبة عنه على الأرض. فمنطقيا وقانونيا لا يمكن لطرف يعلن وجود حرب مفتوحة أن يتعامل مع المجال نفسه باعتباره فضاء مدنيا آمنا عندما يتعلق الأمر بتسجيل نقاط سياسية أو إعلامية داخل المنتظم الدولي.
كما أن استحضار أسماء ضحايا من جنسيات مختلفة، من الجزائر وموريتانيا وغيرهما، لا ينفصلا عن محاولة توسيع دائرة النزاع وإضفاء بعد إقليمي عليه، في وقت تتجه فيه الأمم المتحدة والقوى الدولية المؤثرة نحو التركيز على الحل السياسي الواقعي بدل توسيع بؤر التوتر. فبدل أن تطرح الجبهة أسئلة حول أسباب وجود مدنيين داخل مناطق تقدمها بنفسها كمسارح للعمليات العسكرية، تسعى إلى تحويل هذه الوقائع إلى مادة دعائية موجهة لمجلس الأمن.
تثير هذه المعطيات تساؤلات إضافية حول طبيعة التدبير الأمني داخل المناطق التي تتحرك فيها عناصر الجبهة، خاصة أن القانون الدولي الإنساني يحمل الأطراف المتنازعة مسؤولية اتخاذ التدابير الكفيلة بإبعاد المدنيين عن مناطق الخطر وعدم تعريضهم لتهديدات العمليات العسكرية. وبالتالي فإن أي محاولة لتحويل وجود مدنيين داخل فضاءات توصف بالحربية إلى ورقة سياسية، تضع الجبهة أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية قبل أن تضع خصومها أمام أي مساءلة محتملة.
تأتي هذه الرسالة في ظرفية دقيقة تشهد فيها قضية الصحراء تحولات دبلوماسية متسارعة، تتجسد في تنامي الدعم الدولي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، واستمرار مجلس الأمن في التأكيد على أولوية الحل السياسي الواقعي والعملي والدائم. وهي معطيات تجعل من محاولات العودة إلى الخطابات التقليدية أو استثمار الحوادث الميدانية مجرد محاولات لإبطاء مسار سياسي يسير في اتجاه مغاير لما تراهن عليه الجبهة.
وعليه فإن رسالة البوليساريو إلى مجلس الأمن أقرب إلى محاولة للهروب من مأزق سياسي ودبلوماسي متفاقم منها إلى مبادرة قانونية متماسكة. فالجبهة التي تصر على الحديث عن الحرب، تجد نفسها مضطرة في كل مرة للبحث عن المؤسسات الدولية التي لطالما شككت في فعاليتها، في مفارقة تكشف حجم التناقض بين خطاب التعبئة العسكرية ومتطلبات الشرعية الدولية التي تحاول الاستناد إليها عند الحاجة.











