صنصال يفكك منظومة الحكم في الجزائر ويضع باريس أمام لحظة اختبار جديدة

محرر مقالات5 ديسمبر 2025
صنصال يفكك منظومة الحكم في الجزائر ويضع باريس أمام لحظة اختبار جديدة

العيون الآن.

 

يوسف بوصولة

 

في اليوم الموالي لصدور الحكم الاستئنافي القاسي ضد الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، والذي قضى بسجنه سبع سنوات في الجزائر، عاد الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال إلى الواجهة الإعلامية عبر إذاعة RTL ليقدم واحدة من أكثر القراءات حدة وشمولية لطبيعة النظام السياسي الجزائري ولعلاقته المأزومة مع فرنسا.

صنصال الذي استفاد قبل أسابيع من عفو رئاسي أنهى سنة كاملة قضاها خلف القضبان، لم يتعامل مع خروجه من السجن بوصفه حدثا فرديا، بل بوصفه مدخلا لإعادة فتح ملف بنية السلطة الجزائرية وحدود القضاء، ومسار العلاقات بين الجزائر وباريس في ظرف دبلوماسي مشحون.

 

منذ البداية، اختار صنصال لغة مباشرة وخالية من المواربة. وصف النظام الجزائري بأنه “ديكتاتورية وحشية شريرة وقاسية”، معتبرا أن الحكم الصادر بحق غليز جزء من “مهزلة قضائية” تعكس خللا عميقا في توازن السلطات. بالنسبة له القضاء والعفو لا يتحركان داخل مؤسسة واحدة بل ضمن مسارين منفصلين ومتناقضين، يكشفان غياب مركز قرار واضح داخل الدولة الجزائرية، وتنازعا خفيا للسلط يجعل السياسة “منطقة رمادية” غير قابلة للتوقع.

 

هذا التشخيص ليس جديدا تماما، لكنه يكتسب وزنا مضاعفا الآن، لأن القضية تتقاطع مع انتقادات فرنسية متنامية بشأن التضييق على الصحافيين في الجزائر. غير أن صنصال لم يقف عند بعد الحريات، بل ربط الأزمة الداخلية بالسياق الأوسع للعلاقات الثنائية. فبالنسبة له، لا يمكن الحديث عن توتر معزول أو أزمة طارئة، بل عن تاريخ ممتد يصعب فصل البلدين عنه، بحكم الروابط الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ويذكر هنا بوجود ستة ملايين جزائري يعيشون في فرنسا، وهو رقم يرى أن تجاهله يجعل أي مواجهة سياسية بين البلدين مجرد “تمزيق جديد فوق جرح لم يلتئم”.

 

هذه القراءة تلتقي مع النقاش الجاري في باريس حول إمكانية مراجعة اتفاق 1968 الخاص بتنقل الأشخاص. صنصال يعتقد أن “كل شيء قابل للنقاش”، شريطة تجاوز “العقد النفسية” التي تمنع حوارا عقلانيا بين الطرفين، مضيفا أن الجزائر نفسها “مستعدة تماما” لإعادة التفاوض إذا توفرت “الشرارة” المناسبة لإطلاق المفاوضات.

 

غير أن الجانب الأكثر قسوة في رواية صنصال يتعلق بوصفه لواقع السجون الجزائرية. فقد قدم شهادة مباشرة عن “آلة قمعية” تُنتج مئات الاعتقالات يوميا. وأشار إلى أن السجن الذي كان فيه “يدخل إليه 400 شخص كل يوم”، وأن بعض المعتقلين يساقون إليه بسبب “إعجاب فيسبوكي” أو مشاركة منشور. هذه الصورة تعكس في رأيه منطقا أمنيا صارما أعقب نهاية حراك 2019، وتحولا في استخدام قوانين مكافحة الإرهاب لتجريم التعبير الرقمي والاحتجاجات السلمية، وهو ما تؤكده منظمات حقوقية عدة.

 

رغم ذلك يرفض صنصال الاكتفاء بدور الضحية أو الشاهد الصامت. يقول إنه نصح مرارا بعدم الكلام حماية لنفسه، لكنه يرى أن “الصمت إهانة”، وأن مقاومة تغول السلطة واجب أخلاقي. ويذكر بأنه يقاوم النهج السياسي القائم منذ ربع قرن، وأن المسألة تتجاوز “قضية صنصال” أو “قضية غليز” نحو ضرورة إصلاح جذري لمنظومات حكم ولدت أزمات متتابعة طيلة عقود.

 

على المستوى الشخصي، لا يخفي صنصال استمرار علاقته العاطفية ببلده الأم. “الجزائر بلدي القلبي”، يقول، لكنه يعترف بأن العودة إليه تبدو شبه مستحيلة حاليا، خصوصا بعد اكتشافه تعطيل جواز سفره. ومع ذلك يصر: “سأعود. أنا جزائري. أدخل بجواز سفري، وليفعلوا ما يشاؤون”. لكنه يؤجل الخطوة إلى حين “تهدأ الأوضاع”، ويؤكد أن عودته الآن ستكون “استفزازا غير ضروري”. ويربط لحظة العودة بتحقق شرطين: الإفراج عن كريستوف غليز، واعتراف السلطة بضرورة وقف مسلسل الاعتقالات.

 

في هذه الشهادة المركبة تتداخل السياسة بالقضاء، والذاكرة بالهوية، والعلاقة مع فرنسا بحسابات الداخل. ومن خلالها يبدو المشهد الجزائري، كما يراه صنصال، محكوما بتوترات عميقة بين السلطة والمجتمع، وبين التاريخ الاستعماري وضرورات الحاضر، وبين بنية دولة متعددة المراكز ورغبة مجتمع في الانتقال نحو وضع سياسي أوضح. إنها لحظة اختبار جديدة للعلاقات الجزائرية الفرنسية، لكنها أيضا لحظة تعرية لواقع داخلي يزداد انغلاقا كلما ضاق هامش حرية التعبير.

الاخبار العاجلة