سبتة المحتلة في قلب التوتر البحري…تحركات البحرية الملكية تستنفر مدريد وتعيد اختبار توازنات السيادة والردع

محرر مقالات12 أكتوبر 2026
سبتة المحتلة في قلب التوتر البحري…تحركات البحرية الملكية تستنفر مدريد وتعيد اختبار توازنات السيادة والردع

العيون الآن 

 

حمزة وتاسو – العيون.

 

أعادت تحركات بحرية مغربية قرب سبتة المحتلة خلال أواخر يوليوز ومطلع غشت 2026، ملف السيادة والتوازنات العسكرية في مضيق جبل طارق إلى واجهة النقاش الإسباني، بعدما كشفت تقارير صحفية، في مقدمتها صحيفة ”إل باييس”، عن دخول فرقاطة مغربية وزوارق دورية إلى المياه المحيطة بالمدينة، بالتزامن مع أزمة هجرة وأثارت هذه التطورات اهتمام مدريد، التي عززت حضورها البحري في المنطقة، في سياق يكشف حساسية التداخل بين تدبير الحدود البحرية والخلاف السياسي المستمر بشأن وضع سبتة.

 

وأبرزت المعطيات التي تداولتها الصحافة الإسبانية أن التحركات المغربية تزامنت مع اقتراب زورقي دورية مغربي وإسباني من الاصطدام، في واقعة تعكس ارتفاع مستوى الحساسية العملياتية في محيط المدينة، ومع ذلك لا تثبت المعلومات المنشورة وقوع مواجهة مسلحة أو تبادل لإطلاق النار، ما يقتضي التمييز بين الاحتكاك البحري المبلغ عنه وبين أي استنتاج بشأن احتمال اندلاع مواجهة عسكرية.

 

واستنفرت البحرية الإسبانية وفق التقارير ذاتها، وسائلها البحرية عبر إرسال السفينة ”BAM Rayo”، قبل تعزيز الانتشار بالفرقاطة ”Santa María”، التي حلت محلها لاحقا الفرقاطة ”Navarra” إثر تعرض السفينة الأولى لعطل تقني ويشير هذا التسلسل إلى أن مدريد تعاملت مع الوضع باعتباره مسألة تستدعي مواصلة المراقبة وتعزيز الحضور البحري، وإن كانت طبيعة الاستجابة وأهدافها التفصيلية تظل رهينة ما تثبته المعطيات الرسمية المتاحة.

 

وتكشف هذه التطورات عن حساسية الموقع الجغرافي لسبتة، الواقعة عند المدخل الغربي للبحر الأبيض المتوسط، حيث تتقاطع مراقبة الحدود والهجرة مع الاعتبارات الأمنية والعسكرية، فالمضيق لا يمثل ممرا بحريا حيويا للتجارة والملاحة الدولية فحسب، بل يشكل أيضا مجالا استراتيجيا تتداخل فيه حسابات المغرب وإسبانيا، بما يجعل أي تحرك عسكري أو أمني بالقرب من المناطق المتنازع بشأن وضعها السياسي عرضة لقراءات تتجاوز أبعاده الميدانية المباشرة.

 

وتستمد القضية امتدادها السياسي من الخلاف القائم بشأن سبتة ومليلية؛ إذ تتمسك إسبانيا بسيادتها على المدينتين، بينما يظل الموقف المغربي مرتبطا بمبدأ استكمال الوحدة الترابية للمملكة ويمنح هذا الخلاف التحركات البحرية في محيط سبتة دلالة إضافية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن كل انتشار بحري يمثل رسالة سيادية مباشرة أو تحولا في قواعد التعامل بين البلدين.

 

وتعيد هذه المعطيات كذلك طرح العلاقة بين تدبير الهجرة والتنسيق الأمني المغربي الإسباني، خصوصا أن التحركات المبلغ عنها تزامنت مع تدفق مهاجرين نحو سبتة المحتلة ويجعل هذا التزامن من الضروري الفصل بين مهام مراقبة الحدود والتعامل مع تدفقات الهجرة من جهة، والحسابات العسكرية والسيادية من جهة أخرى، تفاديا لربط الوقائع ببعضها على نحو لا تسنده أدلة واضحة.

 

وتكتسب التطورات بعدا إضافيا في ضوء ما أوردته وسائل إعلام إسبانية بشأن اجتماع الملك فيليبي السادس بكبار المسؤولين العسكريين في قصر لا زارزويلا يوم 8 سبتمبر 2026، غير أن تزامن الاجتماع مع النقاش الدائر حول التحركات البحرية لا يكفي لإثبات أنه خصص حصريا لهذا الملف، أو أن المؤسسة العسكرية الإسبانية كانت تواجه حالة استثنائية من الاستنفار؛ إذ يتطلب تأكيد ذلك الاستناد إلى بيان رسمي أو معلومات موثوقة تحدد جدول أعمال الاجتماع ومضمونه.

 

وتؤكد هذه الوقائع أن محيط سبتة يظل منطقة شديدة الحساسية، تتطلب إدارة دقيقة لأي احتكاك ميداني، بالنظر إلى تداخل الاعتبارات الجغرافية والسياسية والأمنية كما أن حجم الانتشار البحري وطبيعة التحركات، ومستوى التنسيق بين الوحدات المعنية، تبقى عناصر أساسية لتقييم دلالات الواقعة، بدل الاكتفاء بقراءة عدد القطع البحرية أو اعتبار تعزيز الحضور العسكري دليلا قاطعا على تصعيد وشيك.

 

وتفرض القراءة المهنية لهذه التطورات التمييز بين الوقائع المعلنة والاستنتاجات المحتملة؛ فالتقارير الإسبانية تتحدث عن تحركات بحرية مغربية وتعزيز للانتشار الإسباني، لكنها لا تثبت أن الرباط فرضت قواعد اشتباك جديدة، أو أن مدريد تكبدت هزيمة عسكرية، أو أن البلدين اقتربا من مواجهة مفتوحة، وفي المقابل فإن تناول هذه التحركات في الصحافة الإسبانية يبرز استمرار حساسية الملف البحري المحيط بسبتة المحتلة، ومدى ارتباطه بالتوازنات السياسية والاستراتيجية بين الجارين.

 

وتظل إدارة هذا النوع من الملفات مرتبطة بقدرة الرباط ومدريد على الفصل بين الخلافات السيادية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي، مع الحفاظ على اليقظة البحرية وتفعيل قنوات الاتصال الدبلوماسي والعسكري لتفادي سوء التقدير، وفي منطقة ذات أهمية استراتيجية لممرات الملاحة الدولية، لا تتوقف تداعيات أي احتكاك عند حدوده الميدانية، بل قد تمتد إلى العلاقات الثنائية والتعاون الأمني وتدبير الهجرة.

 

ختاما، أعادت التحركات البحرية المبلغ عنها قرب سبتة تسليط الضوء على استمرار الخلاف بشأن وضع المدينة وعلى حساسية التوازنات في مضيق جبل طارق، أما طبيعة الرسائل التي حملتها التحركات المغربية ومدى ارتباطها بحسابات سيادية محددة، فلا يمكن حسمهما استنادا إلى التقارير الصحفية وحدها، بل يقتضيان معطيات رسمية وميدانية موثقة، بما يضمن قراءة دقيقة للتطورات بعيدا عن التهويل أو تحويل الاحتمالات إلى وقائع.

الاخبار العاجلة