زيارة دولة ومعاهدة جديدة… الرباط وباريس تنتقلان من “إدارة الأزمة” إلى إعادة تأسيس الشراكة

محرر مقالات4 أبريل 2026
زيارة دولة ومعاهدة جديدة… الرباط وباريس تنتقلان من “إدارة الأزمة” إلى إعادة تأسيس الشراكة

العيون الآن.

يوسف بوصولة

 

تتجه كل من الرباط وباريس نحو تدشين مرحلة جديدة في علاقاتهما الثنائية قوامها إعادة البناء المؤسسي والتوازن السياسي، من خلال التحضير لزيارة دولة مرتقبة يقوم بها الملك محمد السادس إلى فرنسا مرفوقة بصياغة معاهدة ثنائية جديدة تروم إرساء إطار قانوني حديث يعيد ترتيب أولويات التعاون بين البلدين.

 

ووفق معطيات أوردتها صحيفة لوموند الفرنسية يرتقب أن تتم هذه الزيارة خلال خريف السنة الجارية، في خطوة تحمل دلالات سياسية قوية باعتبارها أول زيارة دولة للملك إلى فرنسا منذ سنة 2012، ما يعكس تحولا نوعيا في مسار العلاقات بعد سنوات من التوتر والفتور الدبلوماسي.

 

ولا تقتصر هذه الدينامية على البعد البروتوكولي بل تمتد إلى إعداد مشروع معاهدة ثنائية جديدة تشرف عليها لجنة مشتركة تضم شخصيات وازنة من الجانبين، في مؤشر على إرادة سياسية واضحة لإعادة صياغة العلاقة على أسس أكثر صلابة واستدامة. ويقود هذا الورش من الجانب الفرنسي هوبير فيدرين فيما يتولى تنسيق الجانب المغربي شكيب بنموسى.

 

وتضم هذه الهيئة المعروفة بـ“لجنة الحكماء”، أسماء سياسية وفكرية بارزة من بينها فلورانس بارلي وليلى سليماني، في تركيبة تعكس تنوع المقاربات بين السياسي والثقافي في تصور مستقبل الشراكة الثنائية.

 

وكانت اللجنة قد عقدت أولى اجتماعاتها بالرباط خلال شهر مارس الماضي، بدعم مؤسساتي من قصر الإليزيه ووزارة الخارجية الفرنسية، على أن يتم تقديم مشروع أولي للمعاهدة خلال شهر ماي المقبل تمهيدا لعرضه على قيادتي البلدين قبل موعد الزيارة المرتقبة.

 

وتشير المعطيات إلى أن المعاهدة ستغطي مجالات استراتيجية متعددة تشمل الاقتصاد والدبلوماسية والتعاون الثقافي والجامعي، إلى جانب ملفات حساسة مثل الهجرة وقضايا المجتمع المدني في توجه يعكس السعي نحو بناء شراكة شاملة تتجاوز الصيغ التقليدية للتعاون.

 

وتندرج هذه الخطوة ضمن ما وصفه إيمانويل ماكرون بـ“الإطار الاستراتيجي الجديد”، الذي يهدف إلى إعادة تموقع المغرب كشريك رئيسي لفرنسا خارج الاتحاد الأوروبي في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة وتنافس متزايد على النفوذ في شمال إفريقيا والساحل.

 

ويكتسي هذا التحول أهمية خاصة بالنظر إلى خلفية العلاقات بين البلدين، التي عرفت خلال السنوات الأخيرة فترة توتر استمرت لأزيد من ثلاث سنوات، تميزت بتراجع مستوى التنسيق السياسي. غير أن سنة 2023 شكلت نقطة انعطاف مع استئناف قنوات التواصل في أعقاب ما وصف بـ“عمل دبلوماسي دقيق” لإعادة بناء الثقة، خاصة بعد الموقف الفرنسي الداعم لمغربية الصحراء.

 

وفي هذا السياق تكتسب زيارة الدولة المرتقبة بعدا رمزيا وسياسيا مزدوجا، إذ تعيد إحياء تقليد دبلوماسي رفيع، وتؤشر في الآن ذاته على دخول العلاقات مرحلة جديدة قائمة على إعادة تعريف المصالح المشتركة وفق منطق التوازن والوضوح.

 

كما يعد ملف الصحراء المغربية أحد أبرز المحددات التي أعادت تشكيل العلاقة بين البلدين، حيث شكل تطور الموقف الفرنسي رافعة أساسية لاستعادة الثقة، وأحد المفاتيح الرئيسية لفهم التحول الجاري في مسار الشراكة.

 

وتوحي مجمل هذه المؤشرات بأن الرباط وباريس بصدد الانتقال من منطق تدبير الأزمات إلى منطق بناء شراكة استراتيجية متكافئة، في لحظة دولية دقيقة تعيد فيها القوى الكبرى رسم تحالفاتها، ما يجعل من المعاهدة المرتقبة، في حال اعتمادها، أحد أهم الأطر المرجعية للعلاقات المغربية الفرنسية خلال العقد المقبل.

الاخبار العاجلة