زيارة بلا حصاد: البوليساريو تغادر واشنطن بخطاب مكسور وسقف مغلق

محرر مقالات24 يناير 2026
زيارة بلا حصاد: البوليساريو تغادر واشنطن بخطاب مكسور وسقف مغلق

العيون الآن.

حمزة وتاسو / العيون.

 

لم تسفر زيارة وفد جبهة “البوليساريو” إلى العاصمة الأمريكية، يومي 22 و23 يناير الجاري عن أي اختراق سياسي يذكر، وانتهت وفق ما أفاد به مصادر دبلوماسية بإعادة تثبيت سقف دولي بات واضحا ومغلقا يتمثل في مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، باعتبارها الإطار الوحيد القابل للتفاوض حول نزاع الصحراء، دون أي استعداد لإعادة فتح نقاشات تجاوزها المسار الأممي والاصطفاف الدولي خلال السنوات الأخيرة، وتكتسب هذه الخلاصة أهميتها من كونها صادرة عن لقاءات مباشرة داخل واشنطن، في لحظة دولية تتسم بتضييق الخيارات أمام المقاربات غير القابلة للحياة السياسية.

 

الوفد الذي ترأسه محمد يسلم بيسط المقدم داخل الجبهة بصفته “وزيرا للخارجية” حل بواشنطن قادما من مدريد، وسط حملة إعلامية مكثفة قادتها الجزائر والجبهة الانفصالية، روجت لاحتمال إعادة طرح ملف “تقرير المصير” أو استئناف النقاش حول “الاستفتاء”، غير أن هذه التوقعات سرعان ما تهاوت داخل أروقة اللقاء، إذ أوضح المصدر الدبلوماسي أن المسؤول الأمريكي الذي التقى الوفد حرص منذ البداية على تبديد أي لبس، مؤكدا أن الإدارة الأمريكية لا ترى في النزاع سوى مسار واحد قابل للحياة السياسية، هو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

 

وبحسب المصدر نفسه لم يتضمن اللقاء أي نقاش جوهري حول مقترحات بديلة أو صيغ انتقالية، بل انصب على تذكير وفد “البوليساريو” بأن القرار الأممي رقم 2797، المعتمد في 31 أكتوبر الماضي، لا يترك مجالا للتأويل السياسي، ويعكس توجها متزايدا داخل مجلس الأمن نحو تكريس المقترح المغربي كحل “واقعي وذي مصداقية”، كما شدد المسؤول الأمريكي على أن واشنطن لن تنخرط في أي مسار تفاوضي خارج هذا الإطار، ولن تدعم مقترحات لا تنسجم مع المرجعية الأممية القائمة.

 

الموقف الأمريكي الذي وصف بالحاسم وغير القابل للمراجعة، وضع وفد الجبهة أمام واقع دبلوماسي ضاغط دفعه إلى طلب مهلة للتشاور مع قيادته في مخيمات تندوف، ويقرأ هذا الطلب بوصفه مؤشرا على محدودية هامش القرار داخل الجبهة، واستمرار ارتهان مواقفها لمعادلات إقليمية تتجاوزها، في ظل غياب أي أوراق تفاوضية جديدة يمكن تقديمها للطرف الأمريكي.

 

وفي السياق ذاته برز تفصيل لوجستي ذي دلالة سياسية، تمثل في عودة طائرة تابعة للرئاسة الجزائرية كانت قد أقلت وفد “البوليساريو” من مدريد إلى واشنطن إلى مطار الجزائر عقب انتهاء الزيارة، بما يعكس حجم الارتباط البنيوي بين الجبهة والجزائر، الطرف الأكثر انخراطا وتأثرا بمآلات هذا الملف على مستوى القرار والحركة الدبلوماسية.

 

لا يمكن فصل هذه الزيارة عن التحولات العميقة التي يعرفها ملف الصحراء داخل المنظومة الدولية، فخلال السنوات الأخيرة، تراجع حضور خطاب “الاستفتاء” بشكل لافت داخل قرارات مجلس الأمن، مقابل صعود متدرج للغة “الحل السياسي الواقعي”، وهي لغة تترجم عمليا في مبادرة الحكم الذاتي المغربية.

 

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الإدارة الأمريكية بصيغتها الحالية، لا ترى مصلحة في إعادة فتح نقاشات ثبت عجزها، على مدى خمسة عقود، عن إنتاج حل قابل للتنزيل، بقدر ما تسعى إلى تثبيت مسار تفاوضي واحد واضح المعالم، ينسجم مع المرجعية الأممية ومع توازنات مجلس الأمن.

 

في هذا السياق تنتظر واشنطن من جبهة “البوليساريو” موقفا صريحا من إطار الحكم الذاتي، بعيدا عن سياسة كسب الوقت أو الاستثمار الإعلامي في زيارات خارجية لا تغير من موازين القوى داخل مجلس الأمن، فمرحلة الغموض باتت وفق القراءة الدبلوماسية السائدة خلفنا، والملف يتجه أكثر فأكثر نحو تضييق الخيارات أمام الأطراف التي ترفض الانخراط في حل سياسي واقعي.

 

وأشارت المعطيات ذاتها إلى احتمال عقد الجلسة بحضور المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء ستيفان دي ميستورا، مع ترجيح حضور ممثل عن الجانب الأمريكي، يعتقد أنه كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، وقد ساد آنذاك اعتقاد بأن هذه الخطوة تندرج ضمن مسار مرتبط بتطبيق القرار 2797، الذي يحث طرفي النزاع على الدخول في مفاوضات مباشرة للتوصل إلى “حل عادل ودائم ومقبول للطرفين”، مع توصيف مقترح الحكم الذاتي بأنه “الأكثر واقعية”، إلى جانب تجديد ولاية بعثة “مينورسو” لسنة إضافية.

 

في المحصلة تكشف زيارة واشنطن التي انتهت دون مكاسب سياسية تذكر عن مأزق دبلوماسي متجدد تعيشه جبهة “البوليساريو” وراعيتها الجزائر، في وقت يواصل فيه المغرب ترسيخ موقعه داخل المؤسسات الدولية، مستندا إلى دعم متنام وقراءة دولية تعتبر أن زمن الحلول القصوى قد استنفد، وأن الحكم الذاتي لم يعد مجرد مقترح مطروح على الطاولة، بل الإطار الوحيد الممكن لتسوية نزاع طال أمده.

الاخبار العاجلة