العيون الآن.
يوسف بوصولة
عاد ملف مصفاة “الشركة المغربية لصناعة التكرير – سامير” إلى واجهة النقاش الاقتصادي بالمغرب عقب صدور حكم عن المحكمة التجارية الابتدائية بالدار البيضاء يقضي بعدم قبول عرض الاستحواذ المقدم من شركة استثمارية إماراتية، وهو القرار الذي أعاد طرح تساؤلات واسعة حول مستقبل المصفاة وأبعادها الاستراتيجية بالنسبة للأمن الطاقي للمملكة.
وكانت شركة MJM Investments LTD التي تتخذ من دبي مقرا لها قد تقدمت بعرض للاستحواذ على المصفاة وأصولها بقيمة تقارب 3.5 مليارات دولار، غير أن المحكمة رفضت العرض بعد دراسة الوثائق المقدمة في إطار مسطرة التفويت القضائي التي تخضع لها الشركة منذ سنة 2016.
تستند المحكمة في قراراتها المرتبطة بتفويت الشركات الخاضعة للتصفية القضائية إلى مقتضيات المادة 636 من مدونة التجارة، التي تشترط توفر عروض الاستحواذ على ضمانات واضحة تتعلق باستمرارية النشاط الصناعي، والحفاظ على مناصب الشغل، إضافة إلى تقديم ضمانات مالية كافية لسداد ديون الدائنين.
وتشير المعطيات المرتبطة بالملف إلى أن العرض الأخير لم يستوف جميع الوثائق والضمانات المطلوبة قانونيا، حيث اقتصر على إبداء اهتمام ورسالة نية تمويل من مؤسسة بنكية دولية دون تقديم تصور متكامل لعملية الاستحواذ أو كيفية تمويلها وتنفيذها، وهو ما دفع المحكمة إلى اعتباره عرضا غير مكتمل.
ويأتي هذا القرار في سياق مسار قضائي طويل شهد تلقي عشرات العروض الدولية والمحلية لشراء المصفاة منذ طرحها للبيع بعد دخولها مرحلة التصفية القضائية.
ويرى متابعون أن النقاش حول “سامير” لا يقتصر على الجانب المالي أو التجاري، بل يرتبط أساسا بالبعد الاستراتيجي المرتبط بالأمن الطاقي للمملكة.
وفي هذا الإطار، اعتبر خالد الشيات أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية، أن قطاع الطاقة يشكل أحد المكونات الأساسية للسيادة الاقتصادية للدول، ما يفرض التعامل مع القرارات المرتبطة به بمنطق استراتيجي طويل المدى.
وأوضح الشيات أن قدرة أي دولة على إنتاج الطاقة أو تكريرها والتحكم في سوقها الداخلية تمنحها هامشا مهما من الاستقلالية الاقتصادية، نظرا لارتباط هذا القطاع بعدد من المجالات الصناعية والتجارية والاجتماعية.
وأشار المتحدث إلى أن التعامل مع العروض الاستثمارية في مثل هذه القطاعات ينبغي أن يوازن بين الجدوى الاقتصادية واحترام المساطر القانونية والقضائية، مؤكدا أن أي قرار صادر عن القضاء يجب أن يحترم باعتباره إطارا حاكما لعملية قبول أو رفض العروض.
وفي قراءة سياسية للملف أكد فاعل سياسي بمدينة العيون، في تصريح خاص لموقع “العيون الآن” أن قضية “سامير” تندرج ضمن الاستراتيجية التي اعتمدها المغرب خلال السنوات الأخيرة لتعزيز السيادة الوطنية في مختلف أبعادها وعلى رأسها السيادة الطاقية.
وأوضح المتحدث أن المؤشرات توحي بوجود رؤية لدى الدولة بخصوص مستقبل هذه المنشأة الصناعية، وهو ما يتجلى في التعامل الحذر مع بعض العروض الاستثمارية الأجنبية التي لم تتوافق، رغم قيمتها المالية، مع التصورات المرتبطة بالأمن الطاقي للمملكة.
وأضاف أن المغرب يعمل في الوقت ذاته على تنويع مزيجه الطاقي من خلال توقيع اتفاقيات استثمارية كبرى في مجال الطاقات المتجددة، ما من شأنه أن يعزز موقع المملكة إقليميا وإفريقيا في مجال الطاقة.
قبل توقف نشاطها سنة 2015، كانت مصفاة “سامير” تؤمن ما يقارب ثلثي احتياجات المغرب من المواد النفطية المكررة، كما تمتلك قدرة تخزين كبيرة تصل إلى حوالي مليوني متر مكعب من المنتجات النفطية.
ويؤكد خبراء أن إعادة تشغيل هذه المنشأة الصناعية قد تساهم في تعزيز المنافسة داخل سوق المحروقات، وتوفير آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، فضلا عن دعم قدرات المغرب في مجال التخزين والتحكم في الإمدادات النفطية.
في ظل هذه المعطيات، يبقى مستقبل “سامير” مفتوحا على أكثر من احتمال، يتراوح بين استقطاب مستثمر جديد يستجيب للشروط القانونية والمالية المطلوبة، أو اعتماد صيغة شراكة بين القطاعين العام والخاص، أو حتى تدخل الدولة بشكل مباشر لإعادة تشغيل المصفاة.
غير أن الثابت وفق متابعين هو أن الحسم في مصير هذا الصرح الصناعي لن يكون قرارا اقتصاديا صرفا، بل سيظل مرتبطا باعتبارات أوسع تتعلق بالأمن الطاقي والسيادة الاقتصادية للمملكة.











