العيون الآن
يوسف بوصولة – العيون
قبل ثلاثة أيام من الانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر، يجمع خبراء إسبان في العلاقات الدولية وشؤون المغرب على أن نتائج صناديق الاقتراع مهما كانت تركيبة الحكومة المقبلة، لن تحدث تحولا جذريا في الثوابت الكبرى للسياسة الخارجية للمملكة، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية التي تظل الملف الأكثر أولوية في التحرك الدبلوماسي للرباط.
تأتي هذه القراءة في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الاستحقاق الانتخابي وما يمكن أن يفرزه من تغييرات داخل المشهد الحزبي والحكومي، مقابل استمرار ملفات السياسة الخارجية ضمن توجه استراتيجي يمتد لسنوات ولا يرتبط بتغير الأغلبية الحكومية.
وتجمع قراءات خبراء تحدثوا لوكالة الأنباء الإسبانية “أوروبا بريس” على أن الأجندة الدولية للمغرب تتسم بدرجة كبيرة من الاستمرارية، بالنظر إلى الدور الدستوري والمؤسساتي للملك محمد السادس في رسم التوجهات الاستراتيجية للسياسة الخارجية.
ويضع ديفيد هيرنانديز الباحث في شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالمعهد الملكي الإسباني “إلكانو”، قضية الصحراء في صدارة الثوابت التي تحكم السياسة الخارجية المغربية، معتبرا أنها تمثل قضية مركزية وأكثر أولوية بالنسبة إلى الرباط.
ويميز الباحث الإسباني في هذا السياق بين ملف الصحراء وقضيتي سبتة ومليلية، مؤكدا أن الملفات لا تحتل المستوى نفسه داخل سلم الأولويات المغربية، وأن الصحراء تحتفظ بموقعها المركزي في السياسة الخارجية.
تتقاطع هذه القراءة مع الموقف الذي عبر عنه الملك محمد السادس سابقا عندما وصف قضية الصحراء بأنها “النظارة” التي ينظر بها المغرب إلى العالم، والمعيار الذي يقيس من خلاله صدق الصداقات ونجاعة الشراكات.
وبحسب القراءة الإسبانية انتقلت الأولوية المغربية في المرحلة الحالية إلى تعزيز المكتسبات الدبلوماسية التي حققها المغرب في الملف وتوسيع المواقف الدولية المؤيدة لطرحه بشأن التسوية.
وترى إيريني فرنانديز مولينا أستاذة العلاقات الدولية بجامعة إكستر البريطانية، أن السياسة الخارجية لا تحتل مساحة كبيرة داخل البرامج الانتخابية للأحزاب المشكلة للحكومة الحالية، معتبرة أن الأجندة الدولية للمملكة واضحة ومتسقة منذ سنوات.
ومن ثم فإن المنافسة التي تحسمها صناديق الاقتراع في 23 شتنبر قد تغير موازين القوى داخل البرلمان أو تركيبة الأغلبية والحكومة، لكنها لا تعني بالضرورة تغييرا في الأولويات الاستراتيجية للدولة خارجيا.
ويذهب ريكاردو فابياني مدير شمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية في الاتجاه نفسه، مشيرا إلى أن تحديد الأولويات والتوجهات الكبرى للسياسة الخارجية يتم على مستوى المؤسسة الملكية ومحيطها المباشر.
وتفسر هذه البنية وفق الخبراء لماذا تبدو السياسة الخارجية أقل حضورا في التنافس الحزبي مقارنة بملفات الاقتصاد والتشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية وغيرها من القضايا التي تتصدر الحملة الانتخابية.
وتوقفت القراءة الإسبانية أيضا عند موقع وزير الخارجية ناصر بوريطة الذي يتولى المنصب منذ أبريل 2017، بعدما راكم مسارا دبلوماسيا طويلا داخل الوزارة.
وتربط “أوروبا بريس” بين السنوات التي قضاها بوريطة على رأس الدبلوماسية المغربية وبين التطورات الدولية التي عرفتها قضية الصحراء خلال الفترة نفسها.
المغزى الأوسع هنا أن استحقاق 23 شتنبر يتعلق أساسا بإعادة تشكيل الخريطة السياسية والحكومية الداخلية، بينما تتحرك السياسة الخارجية ضمن استمرارية مؤسساتية تجعل الملفات الاستراتيجية أقل ارتباطا بتغير الأحزاب داخل الأغلبية.
تكتسب هذه القراءة أهمية إضافية بالنظر إلى حضور ملفي سبتة ومليلية خلال الحملة الانتخابية الحالية، بعد تصريحات صدرت عن شخصيات سياسية مغربية وأثارت نقاشا واسعا في إسبانيا.
لكن الخبراء الإسبان يرفضون وضع هذا الملف وقضية الصحراء في المستوى نفسه. فبحسب هيرنانديز، تظل الصحراء القضية المركزية والأكثر أولوية، بينما يرى فابياني أن تركيز الرباط طوال السنوات الماضية انصب بصورة أساسية على ملف الصحراء، وأن قضية سبتة ومليلية تتحرك وفق حسابات وإيقاع مختلفين.
وتعتبر فرنانديز مولينا بدورها أن ارتفاع نبرة الحديث عن المدينتين خلال الحملة يحمل أيضا بعدا انتخابيا، ولا تتوقع بالضرورة استمرار الخطاب بالمستوى نفسه بعد انتهاء الاقتراع.
وبذلك ترسم القراءة الإسبانية فاصلا بين ما يمكن أن يتغير بتغير السياق الانتخابي وبين الملفات الاستراتيجية طويلة الأمد.
وهنا تظهر إحدى أهم خلاصات القراءة الإسبانية للانتخابات المغربية. فصناديق 23 شتنبر ستحدد موازين القوى الحزبية والبرلمانية والحكومة التي ستدبر المرحلة المقبلة، لكنها لن تعيد رسم السياسة الخارجية من نقطة الصفر.
وفي مقدمة الملفات التي يتوقع أن تحتفظ بموقعها تأتي قضية الصحراء، خصوصا بعد التحولات الدبلوماسية التي عرفها الملف خلال السنوات الأخيرة، وفي ظل استمرار العمل المغربي على تثبيت وتوسيع المواقف الدولية الداعمة لمقترح الحكم الذاتي.
كما يأتي الاقتراع قبل محطة أكتوبر في مجلس الأمن الدولي، حيث تعود قضية الصحراء إلى واجهة النقاش الأممي بالتزامن مع انتهاء ولاية بعثة “مينورسو”، ما يجعل الأسابيع الفاصلة بين الانتخابات والاستحقاق الأممي تجمع بين دينامية سياسية داخلية وأخرى دبلوماسية خارجية.
وبينما قد تحمل ليلة 23 شتنبر أسماء جديدة إلى البرلمان والحكومة، فإن القراءة القادمة من مدريد تبدو مختلفة بشأن السياسة الخارجية: قد تتغير الخريطة الحزبية لكن الصحراء ستظل في قلب البوصلة الدبلوماسية للمغرب.




