حين تصبح هزيمة الجار أقوى من ذاكرة الاغتصاب

محرر مقالات10 يوليو 2026
حين تصبح هزيمة الجار أقوى من ذاكرة الاغتصاب

العيون الآن.

 

حمزة وتاسو / العيون.

لم يكن المشهد الذي وثقته مقاطع متداولة على الحدود المغربية الجزائرية، عقب إقصاء المنتخب المغربي من ربع نهائي كأس العالم أمام المنتخب الفرنسي مجرد لحظة فرح رياضي عابر، بل تحول إلى صورة رمزية ثقيلة فتحت نقاشا واسعا حول حدود الخصومة السياسية، وحول قدرة الصراع الإقليمي على إعادة ترتيب المواقف والمبادئ.

ففي الوقت الذي احتفل فيه البعض بانتصار المنتخب الفرنسي، لم يكن الانتصار في نظر كثير من المتابعين مجرد نتيجة مباراة، بل بدا وكأنه لحظة اختلطت فيها الرياضة بالحسابات السياسية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بدولة ما زال اسمها حاضرا بقوة في الخطاب الرسمي الجزائري باعتبارها القوة الاستعمارية التي خلفت وراءها صفحات دامية من القتل والقمع والتهجير والتجارب النووية ونهب الذاكرة والأرشيف.

المفارقة التي أثارت الجدل لا تكمن في حق أي شخص في تشجيع منتخب يختاره فهذا حق فردي لا نقاش فيه، وإنما في التناقض الرمزي الذي ظهر عندما تحولت هزيمة المغرب إلى سبب للاحتفاء بانتصار دولة لطالما شكلت عنوانا مركزيا في سردية تاريخية تقوم على إدانة جرائمها الاستعمارية والمطالبة باعترافها بمسؤوليتها عنها.

فعلى مدى عقود جعلت الجزائر من ملف الذاكرة مع فرنسا أحد أعمدة خطابها السياسي، وظل مطلب الاعتراف بالجرائم الاستعمارية والاعتذار عنها واستحضار مآسي المرحلة الاستعمارية حاضرا في الخطاب الرسمي والمناسبات الوطنية، غير أن صورة الاحتفال بفرنسا بسبب إسقاط المنتخب المغربي تطرح سؤالا حادا حول مدى ثبات هذه الذاكرة عندما تدخل في مواجهة مع منطق الخصومة السياسية.

فالذاكرة التاريخية حين تصبح أداة انتقائية يتم استدعاؤها في ظرف وتجاوزها في ظرف آخر، تفقد جزءا من قوتها الأخلاقية، وتتحول من قضية مبدئية إلى ورقة تخضع لحسابات المصالح والصراعات، إذ لا يمكن إدانة الاستعمار في خطاب رسمي، ثم تحويل رمزية الدولة المستعمرة نفسها إلى مصدر فرح عندما يكون الهدف هو تحقيق انتصار معنوي على خصم إقليمي.

إن المشهد لا يختبر فقط علاقة الجزائريين بفرنسا، بل يكشف أيضا حجم تأثير الصراع المغربي الجزائري على إعادة تشكيل المواقف والرموز، فحين تصبح هزيمة المغرب أهم من تاريخ كامل من العداء مع الاستعمار، يظهر أن الخصومة السياسية قادرة أحيانا على ابتلاع الذاكرة وتجاوز أكثر القضايا حساسية.

وفي مقابل هذه المفارقة يستحضر التاريخ مرحلة مختلفة من العلاقات بين المغرب والجزائر، حيث كان المغرب من الدول التي قدمت دعما لثورة التحرير الجزائرية، من خلال احتضان عدد من قادتها وتوفير الإسناد السياسي واللوجستي خلال فترة الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي، وهي وقائع تاريخية موثقة ظلت جزءا من الذاكرة المشتركة بين الشعبين رغم التحولات والخلافات التي طبعت العلاقات لاحقا.

لكن المشهد الحالي يعكس واقعا أكثر تعقيدا، حيث أصبحت الحسابات السياسية قادرة على إعادة ترتيب الأولويات، وتحويل الخصومة مع الجار إلى معيار يتقدم أحيانا على قضايا تاريخية ظلت لعقود عنوانا للخطاب الرسمي.

فالمنتخبات تغادر البطولات، والنتائج الرياضية تسقط من ذاكرة الجمهور مع مرور الوقت، لكن الرموز التي ترافق بعض المواقف تبقى حاضرة لأنها تكشف عمق التناقضات بين الخطاب والممارسة.

وفي النهاية لم يعد الجدل الذي رافق الاحتفالات مرتبطا بكرة القدم فقط، بل تحول إلى مواجهة فكرية حول معنى الذاكرة، وحدود توظيف التاريخ في الصراعات السياسية، وحول السؤال الأكثر إلحاحا: هل المبادئ التاريخية ثابتة فعلا، أم أنها تصبح قابلة للتغيير عندما تتغلب الخصومة السياسية على كل الاعتبارات الأخرى ؟

الاخبار العاجلة