العيون الآن
ملعين المحفوظ _ العيون
حمدي ولد الرشيد.. أحببناه أم كرهناه، رجل لا يمر في السياسة مرور العابرين..
يصعب الحديث عن المشهد السياسي في الأقاليم الجنوبية دون التوقف عند اسم الحاج حمدي ولد الرشيد، باعتباره واحدا من أكثر الشخصيات حضورا وتأثيرا وإثارة للنقاش. فمنذ دخوله عالم السياسة، اختار الرجل أن يكون في قلب المعركة لا على هامشها، وأن يصنع لنفسه موقعا خاصا داخل المشهد المحلي والوطني والدولي. لذلك، اختلف معه من اختلف واتفق معه من اتفق، غير أن أحدا لا يستطيع إنكار أن حمدي ولد الرشيد أصبح رقما صعبا في معادلة العيون والصحراء المغربية.
ومن جهة أخرى، فإن حملات رقمية وإعلامية متكررة ظلت تستهدف الرجل في محطات مختلفة، ويبدو أن بعضها كان يتحرك بتوجيه من جهات تفضل البقاء خلف الستار. غير أن المفارقة أن كثيرا من هذه الحملات جاءت بنتائج عكسية، إذ لم تزد حمدي ولد الرشيد إلا حضورا وتفاعلا داخل محيطه. فكلما ارتفع منسوب الهجوم، عاد اسمه إلى الواجهة بقوة، وكأن خصومه يمنحونه، من حيث لا يقصدون، مساحة إضافية لتعزيز حضوره السياسي.
وبناء على ذلك، فإن بعض الأصوات الإعلامية، من قبيل مايسة ناجي وحميد المهداوي وغيرهم، اختارت في كثير من الأحيان جعل حمدي ولد الرشيد وعائلته عنوانا مركزيا للانتقاد، رغم أن مدينة العيون وساكنتها لا تختزل في شخص أو عائلة. كما أن القانون المغربي لا يمنع أي مواطن من الترشح والمشاركة السياسية، سواء كان شابا أو متقدما في السن، ما دام مستوفيا للشروط القانونية. فالاحتكام إلى صناديق الاقتراع يظل الفيصل الحقيقي، وليس الحملات أو الأحكام المسبقة.
علاوة على ذلك، فإن من يعرف مسار حمدي ولد الرشيد يدرك أنه لم يشتغل فقط على بناء موقعه الشخصي، بل ساهم أيضا في صناعة أطر وقيادات سياسية واقتصادية لم تكن، في مرحلة من المراحل، تحلم بالوصول إلى المواقع التي بلغتها اليوم. ولم يكن يميز، في مشروعه السياسي، بين ابن الشمال وابن الصحراء، بل فتح المجال أمام أسماء متعددة للانخراط في التجربة. وهي مدرسة سياسية قد تختلف حولها الآراء والثابت فيها انها مدرسة فرص وبناء قادة، مستمرة في استقطاب الكفاءات وتوسيع دائرة الحلفاء.
أما على المستوى التنموي، فلا يمكن لأحد أن ينكر التحول الكبير الذي عرفته مدينة العيون خلال العقدين الماضيين، سواء من حيث البنيات التحتية أو التأهيل الحضري أو صورة المدينة ومكانتها. ويكفي أن ينتقل الزائر بين العيون ومدن مجاورة حتى يلمس حجم الفارق في عدد من المجالات. فالعيون اليوم أصبحت مدينة ذات ملامح خاصة ومشاريع كبرى، وهو تحول ساهمت فيه الدولة بمختلف مؤسساتها، كما كان لحمدي ولد الرشيد حضور واضح في تتبع وتنزيل عدد من الأوراش.
وفي السياق نفسه، يبقى حمدي ولد الرشيد، أحببناه أم كرهناه، رجل سياسة بامتياز، صنع لنفسه أسلوبا خاصا في إدارة العلاقات والتحالفات والمعارك. فهو من الجيل السياسي الذي لا يكتفي بانتظار الفرص، بل يسعى إلى خلقها وتوظيفها، ويعرف متى يتقدم ومتى يلتزم الصمت. وربما لهذا السبب يصعب تكرار تجربته بسهولة، وإن كان قد عمل في المقابل على نقل جزء من تجربته إلى الجيل الجديد، وفي مقدمته ابنه سيدي محمد ولد الرشيد، الذي يسير على قاعدة إرث سياسي وعائلي ثقيل.
ومن زاوية أخرى، يقول كثيرون ممن عرفوا الرجل عن قرب إن حمدي ولد الرشيد، عندما تختلف معه أو تتفق، لا يجيد كثيرا لعبة المجاملة السياسية. فهو قد يكون صريحا إلى درجة تزعج البعض، لكنه لا يخفي موقفه بسهولة. غير أن الإشكال، حسب منتقدين ومقربين، لا يكمن دائما في الرجل نفسه، بل في بعض المحيطين به ممن تحولوا إلى حاشية تضيق دائرة الوصول إليه، وتخشى اقتراب فاعلين جدد قد يعيدون ترتيب موازين التأثير.
ثم أين هي اليوم كل الحملات التي رفعت شعار نهاية حمدي ولد الرشيد؟ أين تداعيات رحيل الخطاط ومن معه؟ وأين موجات الهجوم التي قادها البعض، من مايسة إلى المهداوي وغيرهما؟ لقد مرت سنوات على كثير من هذه العناوين، بينما ظل الرجل في موقعه السياسي، يراقب ويتابع ويستمع بصمت. ويبدو أن من يعرف طريقته يدرك أنه لا يعلن كل أوراقه في وقت واحد، بل يراقب الثابتين والمترددين، قبل أن يعود بخطوات قد تكون أكثر حسما مما توقعه خصومه.
وخلاصة القول، إن الذين يراهنون على عامل السن في السياسة يخطئون قراءة التاريخ، لأن السياسة لا تقاس بعدد السنوات، بل بعمق التجربة، وقوة الحضور، والقدرة على قراءة اللحظة واتخاذ القرار. وحمدي ولد الرشيد، أحببناه أم كرهناه، يظل واحدا من أولئك الذين لا تنتهي أدوارهم بمجرد أن يتقدم بهم العمر، لأن الرجل الذي قضى عقودا في صناعة التحالفات، وخوض المعارك، وبناء المواقع، لا يصبح خارج اللعبة إلا عندما يقرر هو ذلك أو تقول صناديق الاقتراع كلمتها. وبين حملات التشكيك وانتظار الرحيل، يبقى الرجل حاضرا، يراقب بصمت ويستعد لخطوته المقبلة، ليؤكد مرة أخرى أن السياسة لا تعترف بتاريخ الميلاد، بل بتاريخ الإنجازات.. فالعمر لا يمنع من ممارسة السياسة، كما أن الشباب وحده لا يصنع سياسيا.












